فصل: تفسير الآيات رقم (7- 11)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 106‏]‏

‏{‏قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ‏(‏103‏)‏ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ‏(‏104‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ‏(‏105‏)‏ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ‏(‏106‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏أعمالاً‏}‏‏:‏ تمييز، و‏{‏في الحياة‏}‏‏:‏ متعلق بسعيهم‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ يا محمد‏:‏ ‏{‏هل نُنبئُكم‏}‏ يا معشر الكفرة ‏{‏بالأخسرين أعمالاً‏}‏ أي‏:‏ بالذين خسروا من جهة أعمالهم؛ كصدقةٍ، وعتق، وصلة رحم، وإغاثة ملهوف، حيث عملوها في حال كفرهم فلم تُقبل منهم، وهم‏:‏ ‏{‏الذين ضلَّ سعيُهُم‏}‏ أي‏:‏ بطل بالكلية ‏{‏في الحياة الدنيا‏}‏ أي‏:‏ بطل ما سَعْوا فيه في الحياة الدنيا وعملوه، ‏{‏وهم يَحسبون‏}‏‏:‏ يظنون ‏{‏أنهم يُحسنُون صُنعًا‏}‏ أي‏:‏ يأتون بها على الوجه الأكمل، وقد تركوا شرط صحتها وكمالها، وهو الإيمان، واختلف في المراد بهم، فقيل‏:‏ مشركو العرب، وقيل‏:‏ أهل الكتابين، ويدخل في الأعمال ما عملوه في الأحكام المنسوخة المتعلقة بالعبادات‏.‏ وقيل‏:‏ الرهبان الذين يحبسون أنفسهم في الصوامع ويحْملونَها على الرياضات الشاقة‏.‏

والمختار‏:‏ العموم في كل من عمل عملاً فاسدًا، يظن أنه صحيح من الكفرة، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏أولئك الذين كفروا بآيات ربهم‏}‏‏:‏ بدلائل التوحيد، عقلاً ونقلاً، ‏{‏ولقائه‏}‏‏:‏ البعث وما يتبعه من أمور الآخرة، ‏{‏فحَبِطَتْ‏}‏ لذلك ‏{‏أعمالُهم‏}‏ المعهودة حبوطًا كليًا، ‏{‏فلا نُقيم لهم‏}‏ أي‏:‏ لأولئك الموصوفين بحبوط الأعمال، ‏{‏يومَ القيامة وزنًا‏}‏ أي‏:‏ فنُهينُهم، ولا نجعل لهم مقدارًا واعتبارًا؛ لأن مدار التكريم‏:‏ الأعمالُ الصالحة، وقد حبطت بالمرة؛ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «يُؤتى بالرَّجُل السَّمِين العَظِيم يَوْمَ القِيَامَةِ، فلاَ يَزنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ»؛ اقْرَأوا إن شِئْتُمْ‏:‏ ‏{‏فلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا‏}‏‏.‏ أو‏:‏ لا نضع لأجل وزن أعمالهم ميزانًا؛ لأن الكفر أحبطها‏.‏ أو‏:‏ لا نقيم لهم وزنًا نافعًا‏.‏ قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه‏:‏ يأتي أناسٌ بأعمالهم يوم القيامة، هي عندهم في العِظَم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لا تزن شيئًا، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا‏}‏‏.‏

ثم بيَّن مآل كفرهم بعد أن بيَّن مآل أعمالهم، فقال‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ الصنف الذين حبطت أعمالهم ‏{‏جزاؤُهم جهنمُ‏}‏، أو الأمر ذلك، ثم استأنف بقوله‏:‏ ‏{‏جزاؤُهم جهنمُ بما كفروا‏}‏ أي‏:‏ بسبب كفرهم المتضمن لسائر القبائح، التي من جملتها ما تضمنه قوله‏:‏ ‏{‏واتَّخذُوا آياتي‏}‏ الدالة على توحيدي أو كلامي، أو معجزاتي، ‏{‏ورسلي هُزُوًا‏}‏ أي‏:‏ مهزوًا بهم، فلم يقتنعوا بمجرد الكفر، بل ارتكبوا ما هو أعظم، وهو الاستهزاء بالآيات والرسل‏.‏ عائذًا بالله من ذلك‏.‏

الإشارة‏:‏ كل آية في الكفار تجر ذيلها على الغافلين، فكل من قنع بدون عبادة فكرة الشهود والعيان، ينسحب عليه من طريق الباطن أنه ضل سعيه، وهو يحسب أنه يُحسن صُنعًا، فلا يقام له يوم القيامة وزن رفيع، فتنسحب الآية على طوائف، منها‏:‏ منْ عَبَدَ اللهَ لطلب المنزلة عند الناس، وهذا عين الرياء؛ رُوي عن عثمان أنه قال على المنبر‏:‏ ‏(‏الرياء سبعون بابًا، أهونها مثل نكاح الرجل أمه‏)‏‏.‏

ومنها‏:‏ من عَبَدَ الله لطلب العوض والجزاء عند الخواصِّ، ومنها‏:‏ من عبد الله لطلب الكرامات وظهور الآيات، ومنها‏:‏ من عبد الله بالجوارح الظاهرة، وحجب عن الجوارح الباطنة، وهي عبادة القلوب، فإن الذرة منها تعدل أمثال الجبال من عبادة الجوارح، ومنها‏:‏ من وقف مع الاشتغال بعلم الرسوم، وغفل عن علم القلوب، وهو بطالة وغفلة عند المحققين، ومنها من قنع بعبادة القلوب، كالتفكر والاعتبار، وغفل عن عبادة الأسرار، كفكرة الشهود والاستبصار، والحاصل‏:‏ أن كل من وقف دون الشهود والعيان فهو بطّال، وإنْ كان لا يشعر، وإنما ينكشف له هذا الأمر عند الموت وبعده، وسيأتي عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ‏}‏ ‏[‏الزُّمَر‏:‏ 47‏]‏، زيادة بيان على هذا إن شاء الله‏.‏ فقد يكون الشيء عبادة عند قوم وبطالة عند أخرين؛ حسنات الأبرار سيئات المقربين‏.‏ ولا يفهم هذا إلا من ترقى عن عبادة الجوارح إلى عبادة القلوب والأسرار‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏107- 110‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ‏(‏107‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ‏(‏108‏)‏ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ‏(‏109‏)‏ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ‏(‏110‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏إِن الذين آمنوا‏}‏ بآيات ربهم ولقائه، ‏{‏وعملوا‏}‏ الأعمال ‏{‏الصالحات كانت لهم‏}‏؛ فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده، ‏{‏جنَّاتُ الفردوسِ‏}‏، وهي أعلى الجنان‏.‏ وعن كعب‏:‏ أنه ليس في الجنة أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، أي‏:‏ أهل الوعظ والتذكير من العارفين‏.‏ وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «في الجَنَِّ مِائَةُ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ كُل دَرَجتين كما بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْض، أَعلاها الفِرْدَوس، ومِنْها تَفَجَّرُ أنْهَارُ الجنَّةِ، فَوْقَها عَرْشُ الرحمن، فإذَا سَأَلْتُمُ اللهُ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ»

وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم‏:‏ «جنان الفردوس أربع‏:‏ جنتان من فِضَّةٍ، أبنيتهما وآنيتُهُما، وجنَّتان من ذهب، أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظُرُوا إلى ربهمْ إلا رِدَاءُ الكبْرياءِ على وَجْهِه» وقال قتادة‏:‏ الفردوس‏:‏ ربوة الجنة‏.‏ وقال أبو أمامة‏:‏ هي سرة الجنة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الفردوس‏:‏ البستان بالرومية‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ هي الجنة الملتفة الأشجار‏.‏

كانت لهم ‏{‏نُزُلاً‏}‏ أي‏:‏ مقدمة لهم عند ورودهم عليه، على حذف مضاف، أي‏:‏ كانت لهم ثمار جنة الفردوس نُزلاً، أو جعلنا نفس الجنة نُزلاً، مبالغةً في الإكرام، وفيه إيذان بأن ما أعدَّ الله لهم على ما نطق به الوحي على لسان النبوة بقوله‏:‏ «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر» هو بمنزلة النُزُل بالنسبة إلى الضيافة وما بعدها، وإن جُعِلَ النُزل بمعنى المنزل؛ فظاهر‏.‏ ‏{‏خالدين فيَبْغُون عنها حِوَلاً‏}‏ أي‏:‏ لا يطلبون تحولاً عنها؛ إذ لا يتصور أن يكون شيء أعز عندهم، وأرفع منها، حتى تنزع إليه أنفسهم، أو تطمح نحوه أبصارهم‏.‏ ونعيمهم مجدد بتجدد أنفاسهم، لا نفادَ له ولا نهاية؛ لأنه مكون بكلمة «كن»، وهي لا تتناهى‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل لو كان البحرُ‏}‏ أي‏:‏ جنس البحر ‏{‏مِدَادًا‏}‏، وهو ما تمد به الدواة من الحِبْر، ‏{‏لِكلماتِ ربي‏}‏ وهي ما يقوله سبحانه لأهل الجنة، من اللطف والإكرام، مما لا تكيفُه الأوهام، ولا تحيط به الأفكار، فلو كانت البحار مدادًا والأشجار أقلامًا لنفدت، ولم يبق منها شيء، ‏{‏قبل أن تنفد كلماتُ ربّي‏}‏؛ لأن البحار متناهية، وكلمات الله غير متناهية‏.‏ ثم أكّده بقوله‏:‏ ‏{‏ولو جئنا بمثله مدَدًا‏}‏ أي‏:‏ لنفد البحر من غير نفاد كلماته تعالى، هذا لو لم يجيء بمثله مددًا، بل ولو جئنا بمثله ‏{‏مددًا‏}‏؛ عونًا وزيادة؛ لأن ما دخل عالم التكوين كله متناهٍ‏.‏

‏{‏قل‏}‏ لهم‏:‏ ‏{‏إِنما أنا بشرٌ مثلكم‏}‏ يتناهى كلامي، وينقضي أجلي، وإنما خُصصت عنكم بالوحي والرسالة؛ ‏{‏يُوحى إِليَّ‏}‏ من تلك الكلمات‏:‏ ‏{‏أنما إِلهكم إِله واحد‏}‏ لا شريك له في الخلق، ولا في سائر أحكام الألوهية، ‏{‏فمن كان يرجو لقاء ربه‏}‏‏:‏ يتوقعه وينتظره، أو يخافه، فالرجاء‏:‏ توقع وصول الخير في المستقبل، فمن جعل الرجاء على بابه، فالمعنى‏:‏ يرجو حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضى وقبول‏.‏

ومن حمله على معنى الخوف، فالمعنى‏:‏ يخاف سوء لقائه‏.‏ قال القشيري‏:‏ حَمْلُه على ظاهره أَوْلى؛ لأن المؤمنين قاطبةً يرجون لقاءَ الله، فالعارفون بالله يرجون لقاءه والنظر إليه والمؤمنون يرجون لقاءه وكرامته بالنعيم المقيم‏.‏ ه‏.‏ بالمعنى‏.‏

والتعبير بالمضارع في ‏{‏يرجو‏}‏؛ للدلالة على أن اللائق بحال المؤمنين‏:‏ الاستمرار والاستدامة على رجاء اللقاء، أي‏:‏ فمن استمر على رجاء لقاء كرامة الله ورضوانه ‏{‏فليعملْ‏}‏؛ لتحصيل تلك الطلبة العزيزة ‏{‏عملاً صالحًا‏}‏، وهو الذي توفرت شروط صحته وقبوله، ومدارها على الإتقان؛ ظاهرًا، والإخلاص؛ باطنًا‏.‏ وقال سهل‏:‏ العمل الصالح‏:‏ المقيد بالسُنَّة، وقيل‏:‏ هو اعتقاد جواز الرؤية وانتظار وقتها‏.‏ ‏{‏ولا يُشرك بعبادةِ ربه أحدًا‏}‏ إشراكًا جليًا، كما فعل الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا؛ حيث كفروا بآيات ربهم ولقائه، أو إشراكًا خفيًا، كما يفعله أهل الرياء، ومن يطلب به عوضًا أو ثناءً حسنًا‏.‏

قال شهر بنُ حَوشب‏:‏ جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال‏:‏ أرأيت رجلاً يُصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يُحمد عليه، ويتصدق يبتغي وجه الله ويُحب أن يُحمد عليه، ويحج كذلك‏؟‏ قال عبادة‏:‏ ليس له شيء، إن الله تعالى يقول‏:‏ «أنا خيرُ شريك، فمن كان له شريك فهو له» ورُوي أن جُنْدبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَال لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إِنِّي لأعْمَلُ العَمَلَ للهِ تَعَالى، فإذا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سرَّني، فقال له عليه الصلاة والسلام‏:‏ «لَكَ أَجْرَان‏:‏ أجْرُ السِّرِّ، وأَجْرُ العَلاَنِيَةِ» وذلك إذا قصد أن يُقْتَدَى به، وكان مُخْلصًا في عمله‏.‏ وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «اتقوا الشرك الأصغر، قالوا‏:‏ وما الشرك الأصغر‏؟‏ قال‏:‏ الرياء»‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم- لما نزلت هذه الآية-‏:‏ «إن أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، وإياكم وشرك السرائر، فإنَّ الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء»، فشق ذلك على القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ألا أدلكم على ما يذهب الله عنكم صغير الشرك وكبيره» ‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى، قال‏:‏ «قولوا‏:‏» اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك من كل ما لا أعلم «‏.‏

وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏» مَنْ قَرَأ آخرَ سورة الكَهف- يعني‏:‏ ‏{‏إن الذين آمنوا‏}‏ إلى آخره- كَانَتْ لَهُ نُورًا من قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، وَمَنْ قَرَأَهَا كُلَّها كانَتْ له نُورًا من الأرْضِ إلى السَّمَاءِ «وعنه صلى الله عليه وسلم‏:‏

«مَنْ قَرَأَ عِنْدَ مَضْجِعِهِ‏:‏ ‏{‏قل إنما أنا بشر مثلكم‏}‏ الخ، كَانَ لَهُ مِنْ مَضْجَعِهِ نُورًا يَتَلألأ إلى مَكّةَ، حَشْوُ ذلِكَ النُّور مَلائِكَةٌ يُصَلُون حَتَّى يَقُومَ، وإنْ كَانَ بِمَكَةَ كانَ لَهُ نُورًا إلى البيتِ المَعْمُور» قلت‏:‏ ومما جُرِّب أن من قرأ هذه الآية، ‏{‏إن الذين آمنوا‏}‏ الخ، ونوى أن يقوم في أي ساعة شاء، فإن الله تعالى يُوقظه بقدرته‏.‏ وانظر الثعلبي‏.‏

الإشارة‏:‏ إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا عمل الخصوص- وهو العمل الذي يقرب إلى الحضرة- كانت لهم جنة المعارف نُزلاً، خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً؛ لأنَّ من تمكن من المعرفة لا يُعزل عنها، بفضل الله وكرمه، كما قال القائل‏:‏

مُذْ تَجَمَّعْتْ مَا خَشيتُ افْتِراقًا *** فأَنّا اليَوْمَ وَاصلٌ مَجْمُوعُ

ثم يترقون في معاريج التوحيد، وأسرار التفريد، أبدًا سرمدًا، لا نهاية؛ لأن ترقيتهم بكلمة القدرة الأزلية، وهي كلمة التكوين، التي لا تنفد؛ ‏{‏قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ هذا مع كون وصف البشرية لا يزول عنهم، فلا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية‏.‏ قل‏:‏ إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ وحي إلهام، ويلقى في رُوعي أنما إلهكم إله واحد، لا ثاني له في ذاته ولا في أفعاله، فمن كان يرجو لقاء ربه في الدنيا لقاء الشهود والعيان، ولقاء الوصول إلى صريح العرفان؛ فليعمل عملاً صالحًا، الذي لا حظ فيه للنفس؛ عاجلاً ولا آجلاً، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا، فلا يقصد بعبادته إلا تعظيم الربوبية، والقيام بوظائف العبودية، والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

سورة مريم

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏كهيعص ‏(‏1‏)‏‏}‏

قيل‏:‏ هي مختصرة من أسماء الله تعالى، فالكاف من كافٍ، والهاء من هادٍ، والياء من يمين، والعين من عليم أو عزيز، والصاد من صادق‏.‏ قاله الهروي عن ابن جبير‏.‏

قال أبو الهيثم‏:‏ جعل الياء من يمين، من قولك‏:‏ يَمَن الله الإنسانَ يَيْمنُهُ يمنًا فهو ميْمون‏.‏ ه‏.‏ ولذا ورد الدعاء بها، فقد رُوي عن عليّ- كرم الله وجهه- أنه كان يقول‏:‏ ‏(‏يا كهيعص؛ أعوذ بك من الذنوب التي تُوجب النقم، وأعوذ بك من الذنوب التي تغير النعم، وأعوذ بك من الذنوب التي تهتِك العِصَم، وأعوذ بك من الذنوب التي تحبس غيث السماء، وأعوذ بك من الذنوب التي تُديل الأعداء، انصرنا على من ظلمنا‏)‏‏.‏ كان يقدم هذه الكلمات بين يدي كل شدة‏.‏ فيحتمل أن يكون توسل بالأسماء المختصرة من هذه الحروف، أو تكون الجملة، عنده، اسمًا واحدًا من أسماء الله تعالى، وقيل‏:‏ هو اسم الله الأعظم‏.‏ ويحتمل أن يشير بهذه الرموز إلى معاملته تعالى مع أحبائه، فالكاف كفايته لهم، والهاء هدايته إياهم إلى طريق الوصول إلى حضرته، والياء يُمنه وبركته عليهم وعلى من تعلق بهم، والعين عنايته بهم في سابق علمه، والصاد صدقه فيما وعدهم به من الإتحاف والإكرام‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

وقيل‏:‏ هي مختصرة من أسماء الرسول- عليه الصلاة والسلام- أي‏:‏ يا كافي، يا هادي، يا ميمون، يا عين العيون، أنت صادق مصدق‏.‏ وعن ماضي بن سلطان تلميذ أبي الحسن الشاذلي- رضي الله عنهما-‏:‏ ‏[‏أنه رأى في منامه أنه اختلف مع بعض الفقهاء في تفسير قوله‏:‏ ‏(‏كهيعص‏.‏ حم‏.‏ عسق‏)‏، فقلت‏:‏ هي أسرار بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم، وكأنه قال‏:‏ «كاف»؛ أنت كهف الوجود، الذي يؤم إليه كلُّ موجود، «ها»؛ هبنا لك الملك، وهيأنا لك الملكوت، «يَعَ»؛ يا عين العيون، «ص»؛ صفات الله ‏{‏مَن يُطع الرسولَ فقد أطاع الله‏}‏، «حاء»؛ حببناك، «ميم» ملَّكناك، «عين» علمناك، «سين»؛ ساررناك، «قاف»؛ قربناك‏.‏ فنازعوني في ذلك ولم يقبلوه، فقلت‏:‏ نسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليفصل بيننا، فسرنا إليه، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لنا‏:‏ «الذي قال محمد بن سلطان هو الحق»‏]‏‏.‏ وكأنه يشير إلى أنها صفات أفعال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏2- 6‏]‏

‏{‏ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ‏(‏2‏)‏ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ‏(‏3‏)‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ‏(‏4‏)‏ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ‏(‏5‏)‏ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ‏(‏6‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏ذكر‏}‏‏:‏ خبر عن مضمر، أي‏:‏ هذا ذكر، والإشارة للمتلو في هذه السورة؛ لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر في حكم الحاضر الشاهد‏.‏ وقيل‏:‏ مبتدأ حُذف خبره، أي‏:‏ فيما يُتلى عليك ذكر رحمت ربك‏.‏ وقيل‏:‏ خبر عن ‏{‏كهيعص‏}‏، إذا قلنا؛ هي اسم للسورة، أي‏:‏ المسمى بهذه الحروف ذكر رحمة ربك، و‏{‏عبده‏}‏‏:‏ مفعول لرحمة ربك، على أنها مفعول لما أضيف إليها، أو لذكر، على أنه مصدر أضيف إلى فاعله على الاتساع‏.‏ ومعنى ‏(‏ذكر الرحمة‏)‏‏:‏ بلوغها إليه، و‏{‏زكريا‏}‏‏:‏ بدل منه، أو عطف بيان، و‏{‏إذ نادى‏}‏‏:‏ ظرف لرحمة، وقيل‏:‏ فذكْر، على أنه مضاف إلى فاعله، وقيل‏:‏ بدل اشتمال من زكريا، كما في قوله‏:‏ ‏{‏واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ إِذِ انتبذت‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏مريَم‏:‏ 16‏]‏، و‏{‏مِنّي‏}‏‏:‏ حال من العَظْم، أي‏:‏ كائنًا مني، و‏{‏شيئًا‏}‏‏:‏ تمييز‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ هذا الذي نتلوه عليك في هذه السورة هو ‏{‏ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا‏}‏ >‏.‏ قال الثعلبي‏:‏ ‏[‏فيه تقديم وتأخير‏]‏‏.‏ أي‏:‏ ذكر ربك عبده زكريا برحمته، ‏{‏إِذْ نادى ربه‏}‏ وهو في محرابه في طلب الولد ‏{‏نداءً خفيًّا‏}‏‏:‏ سرًا من قومه، أو في جوف الليل، أو مخلصًا فيه لم يطلع عليه إلا الله‏.‏ ولقد راعى عليه السلام حسن الأدب في إخفاء دعائه فإنه أَدْخَلُ في الإخلاص وأَبَْعَدُ من الرياء، وأقرب إلى الخلاص من كلام الناس، حيث طلب الولد في غير إِبَّانِهِ ومن غائلة مواليه الذين كان يخافهم‏.‏

‏{‏قال‏}‏ في دعائه‏:‏ ‏{‏ربِّ إِني وَهَنَ العظمُ مني‏}‏ أي‏:‏ ضعف بدني وذهبت قوتي‏.‏ وإسناد الوهن إلى العَظْم؛ لأنه عماد البدن ودعامة الجسد، فإذا أصابه الضعف والرخاوة أصاب كله، وإفراده للقصد إلى الجنس المنبئ عن شمول الوهن إلى كل فرد من أفراده‏.‏ ووهن بدنه عليه السلام‏:‏ لكبر سنه، قيل‏:‏ كان ابن سبعين، أو خمسًا وسبعين، وقيل‏:‏ مائة، وقيل‏:‏ أكثر‏.‏

‏{‏واشتعل الرأسُ شيبًا‏}‏ أي‏:‏ ابيضَّ شَمَطًا‏.‏ شبه عليه السلام الشيب من جهة البياض والإنارة بشواظ النار، وانتشاره في الشعر وفُشوِّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعالها، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى محل الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرجه مخرج التمييز، ففيه من فنون البلاغة وكمال الجزالة ما لا يخفى، حيث كان الأصل‏:‏ واشتعل شيب رأسي، فأسند الاشتعال إلى الرأس؛ لإفادة شموله لكلها، فإن وِزَانَهُ‏:‏ اشتعل بيته نارًا بالنسبة إلى اشتعلت النار في بيته، ولزيادة تقريره بالإجمال أولاً، والتفصيل ثانيًا، ولمزيد تفخيمه بالتكثير من جهة التنكير‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏ولم أكن بدعائك ربِّ شقيًّا‏}‏ أي‏:‏ لم أكن بدعائي إياك خائبًا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل، بل كنت كلما دعوتك استجبتَ لي‏.‏ توسل إلى الله بسابق حسن عوائده فيه، لعله يشفع له ذلك بمثله، إثر تمهيد ما يستدعي ويستجلب الرأفة من كبر السن وضعف الحال‏.‏

والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع، ولذلك قيل‏:‏ من أراد أن يُستجاب له فليدعُ الله بما يناسبه من أسمائه وصفاته‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وإِني خفتُ الموالي‏}‏ أي‏:‏ الأقارب، وهم‏:‏ بنو عمه، وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف ألا يحسنوا خلافته في أمته، فسأل الله تعالى ولدًا صالحًا يأمنه على أمته‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏من ورائي‏}‏‏:‏ متعلق بمحذوف، أي‏:‏ جور الموالي، أو مما في الموالي من معنى الولاية، أي‏:‏ خفت أن يلوا الأمر من ورائي، ‏{‏وكانت امرأتي عاقرًا‏}‏‏:‏ لا تلد من حين شبابها، ‏{‏فهبْ لي من لدنك‏}‏ أي‏:‏ أعطني من محض فضلك الواسع، وقدرتك الباهرة، بطريق الاختراع، لا بواسطة الأسباب العادية؛ لأن التعبير بِلَدُنَ يدل على شدة الاتصال والالتصاق، ‏{‏وليًّا‏}‏‏:‏ ولدًا من صُلبي، يلي الأمر من بعدي‏.‏

والفاء‏:‏ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن ما ذكره عليه السلام من كبر السن وعقر المرأة موجب لانقطاع رجائه عن الولد بتوسط الأسباب، فاستوهبه على الوجه الخارق للعادة، ولا يقدح في ذلك أن يكون هنالك داعٍ آخر إلى الإقبال على الدعاء المذكور، من مشاهدته للخوارق الظاهرة عند مريم، كما يعرب عنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ‏}‏ ‏[‏آل عِمرَان‏:‏ 38‏]‏‏.‏ وعدم ذكره هنا اكتفاء بما تقدم، فإن الاكتفاء بما ذكر في موطن عما ترك في موطن آخر من النكتة التنزيلية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يرثني‏}‏‏:‏ صفة لوليًّا، وقرئ بالجزم هو وما عطف عليه جوابًا للدعاء، أي‏:‏ يرثني من حيث العلم والدين والنبوة، فإن الأنبياء- عليه السلام- لا يورثون من جهة المال‏.‏ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «نحن مَعاشر الأنبيَاءِ لا نُورَثُ» وقيل‏:‏ يرثني في الحبورة، وكان عليه السلام حَبْرًا‏.‏

‏{‏ويرثُ من آل يعقوب‏}‏ النبوة والمُلك والمال‏.‏ قيل‏:‏ هو يعقوب بن إسحاق‏.‏ وقال الكلبي ومقاتل‏:‏ هو يعقوب بن ماثان، أخو عمران بن ماثان، أبي مريم، وكانت زوجة زكريا أخت أم مريم، وماثان من نسل سليمان عليه السلام، فكان آل يعقوب أخوال يحيى‏.‏ قال الكلبي‏:‏ كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، وكان زكريا رئيس الأحبار يومئذ، فأراد أن يرث ولده حبُورته، ويرث من بني ماثان ملكهم‏.‏ ه‏.‏

‏{‏واجعله ربِّ رَضيًّا‏}‏ أي‏:‏ مرضيًا، فعيل بمعنى مفعول، أي‏:‏ ترضى عنه فيكون مرضيًا لك، ويحتمل أن يكون مبالغة من الفاعل، أي‏:‏ راضيًا بتقديرك وأحكامك التعريفية والتكليفية‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ طلب الوارث الروحاني- وهو وارث العلم والحال- جائز ليبقى الانتفاع به بعد موته‏.‏ وقيل‏:‏ السكوت والاكتفاء بالله أولى، ففي الحديث‏:‏ «يرحَم اللهُ أخانا زَكَرِيَّا، وَمَا كَان عَلَيْه مَنْ يَرِثُه» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏نداء خفيًا‏}‏‏.‏

الإخفاء عند الصوفية أولى في الدعاء والذكر وسائر الأعمال، إلا لأهل الاقتداء من الكَمَلَة، فهم بحسب ما يبرز في الوقت‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولم أكن بدعائك ربّ شقيًّا‏}‏‏.‏ فيه قياس الباقي على الماضي، فالذي أحسن في الماضي يحسن في الباقي، فهذا أحد الأسباب في تقوية حسن الظن بالله؛ وأعظم منه من حسَّن الظن بالله؛ لما هو متصف به تعالى من كمال القدرة والكرم، والجود والرأفة والرحمة، فإن الأول ملاحظ للتجربة، والثاني ناظر لعين المِنَّة‏.‏ قال في الحكم‏:‏ «إن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه، حسّن ظنك به لوجود معاملته معك، فهل عَوَّدَكَ إلا حَسَنًا‏؟‏ وهل أسدى إليك إلا مننًا‏؟‏»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 11‏]‏

‏{‏يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ‏(‏7‏)‏ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ‏(‏8‏)‏ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ‏(‏9‏)‏ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ‏(‏10‏)‏ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ‏(‏11‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏عِتيًّا‏}‏‏:‏ مصدر، من عتا يعتو، وأصله‏:‏ عتوو، فاستثقل توالي الضمتين والواوين، فكسرت التاء، فقلبت الأولى ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم قُلبت الثانية أيضّا؛ لاجتماع الواو والياء، وسبق إحداهما بالسكون‏.‏ ‏{‏قال كذلك‏}‏‏:‏ خبر، أي‏:‏ الأمر كذلك، فيوقف عليه، ثم يقول‏:‏ ‏{‏قال ربك‏}‏، أو مصدر لقال الثانية، أي‏:‏ مثل ذاك القول قال ربك‏.‏ و‏{‏سويًّا‏}‏‏:‏ حال من فاعل ‏{‏تكلم‏}‏‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏يا زكريا‏}‏، كلمهُ بواسطة المَلك‏:‏ ‏{‏إِنا نبشركَ‏}‏ ونجيب دعوتك ‏{‏بغُلامٍ اسمه يَحيى‏}‏؛ لأنه حيى به عُقْمُ أمه‏.‏ أجاب نداءه في الجملة، لا من كل وجه، بل على حسب المشيئة، فإنه طلب ولدًا يرثُه، فأجيب في الولد دون الإرث؛ فإن الجمهور على أن يحيى مات قبل موت أبيه- عليهما السلام- وقيل‏:‏ بقي بعده برهة، فلا إشكال حينئذ‏.‏ وفي تعيين اسمه تأكيد للوعد وتشريف له، وفي تخصيصه به- كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لم نجعل له من قبلُ سَميًّا‏}‏ أي‏:‏ شريكًا في الاسم، حيث لم يتسم به أحد قبله- مزيد تشريف وتفخيم له عليه السلام؛ فإن التسمية بالأسماء البديعة الممتازة عن أسماء الناس تنويه بالمسمى لا محالة‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏سَميًّا‏}‏‏:‏ شبيهًا في الفضل والكمال، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 65‏]‏ فإنه عليه السلام لم يكن قبله أحد مثله في بعض أوصافه، لأنه لم يهم بمعصية قط، وأنه ولد لشيخ فانٍ، وعجوز عاقر، وأنه كان حصورًا، ولم تكن هذه الخصال لغيره‏.‏

‏{‏قال ربِّ أنّى يكونُ لي غلامٌ‏}‏ أي‏:‏ من أين وكيف يحدث لي غلام، ‏{‏وكانت امرأتي عاقرًا‏}‏‏:‏ عقيمة، ‏{‏وقد بلغتُ من الكِبَر عتيًّا‏}‏‏:‏ يبسًا في الأعضاء والمفاصل، ونحولاً في البدن، لِكِبَرِهِ، وكان سنُّه إذ ذاك مائة وعشرين، وامرأته ثمان وتسعين‏.‏ وتقدم الخلاف فيه‏.‏ وإنما قاله عليه السلام مع سبق دعائه وقوة يقينه، لا سيما بعد مشاهدته للشواهد المذكورة في آل عمران؛ استعظامًا لقدرة الله تعالى، وتعجيبًا منها، واعتدادًا بنعمته تعالى عليه في ذلك، بإظهار أنه من محض فضل الله وكرمه، مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلة عادة‏.‏ وقيل‏:‏ كان دهشًا من ثمرة الفرح، وقيل‏:‏ كان ذلك منه استفهامًا عن كيفية حدوثه‏.‏ وقيل‏:‏ بل كان ذلك بطريق الاستبعاد، حيث كان بين الدعاء والبشارة سِتُّون سنة، وكان قد نسي دعاءه، وهو بعيد‏.‏

‏{‏قال كذلك‏}‏ أي‏:‏ الأمر كما ذكر من كبر السن وعقم المرأة، لكن هو على قدرتنا هين، ولذلك قال‏:‏ ‏{‏قال ربك هو عليّ هيِّنٌ‏}‏، أو مثل ذلك القول البديع قال ربك، ثم فسَره بقوله‏:‏ ‏{‏هو عليّ هيِّن‏}‏، أو «مثل» مقحمة، أي‏:‏ ذلك قال ربك‏.‏ والإشارة إلى مصدره، الذي هو عبارة عن إيجاد الولد السابق، أو كذلك قضى ربك‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏هو عليَّ هيِّن وقد خلقتُكَ من قبلُ ولم تكُ شيئًا‏}‏ أي‏:‏ وقد أوجدت أصلك «آدم» من العدم، ثم نشأتَ أنت من صلبه، ولم تك شيئًا، فإن نشأة آدم عليه السلام وتصويره منطوية على نشأة أولاده، ولذلك قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ‏}‏ ‏[‏الأعرَاف‏:‏ 11‏]‏ الآية‏.‏ انظر تفسير أبي السعود‏.‏

‏{‏قال ربِّ اجعلْ لي آية‏}‏ أي‏:‏ علامة تدلني على تحقق المسؤول، وبلوغ المأمول، وهو حمل المرأة بذلك الولد، لأتلقى تلك النعمة العظيمة بالشكر حين حدوثها، ولا أؤخر الشكر إلى وقت ظهورها، وينبغي أن يكون سؤاله الآية بعد البشارة ببرهة من الزمان؛ لما يُروى أن ‏(‏يحيى كان أكبر من عيسى- عليهما السلام- بستة أشهر، أو بثلاث سنين‏)‏، ولا ريب في أن دعاء زكريا عليه لسلام كان في صغر مريم، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 38‏]‏، وهي إنما ولدت عيسى عليه السلام وهي بنت عشر سنين، أو ثلاث عشرة سنة، أو يكون تأخر ظهورُ الآية إلى قرب بلوغ مريم- عليها السلام-‏.‏

‏{‏قال‏}‏ له تعالى‏:‏ ‏{‏آيتك ألاّ تُكَلّم الناس‏}‏ أي‏:‏ أن لا تقدر على أن تُكلم الناسَ مع القدرة على الذكر، ‏{‏ثلاث ليالٍ‏}‏ بأيامهن، للتصريح بها في آل عمران، حال كونك ‏{‏سويًّا‏}‏ أي‏:‏ سَوِيّ الخَلْقِ سليم الجوارح، ما بك شائبَةُ بَكَمٍ ولا خَرَس، وإنما مُنعت بطريق الاضطرار مع كمال الأعضاء‏.‏ وحكمة منعه؛ لينحصر كلامه في الشكر والذكر في تلك الأيام‏.‏

‏{‏فخرج على قومِهِ من المحراب‏}‏‏:‏ من المصلّى، وكان مغلقًا عليه، فالمحراب مكان التعبد، أو من الغرفة، وكانوا من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب، ليدخلوا ويُصلوا، إن خرج عليهم متغيرًا لونه، فأنكروه، وقالوا له‏:‏ ما لك «فأوحى إليهم أي‏:‏ أوْمَأ إليهم، وقيل كتب في الأرض ‏{‏أن سبِّحُوا‏}‏ أي صلوا ‏{‏بُكرةً وعَشِيًا‏}‏‏:‏ صلاة الفجر وصلاة العصر، ولعلها كانت صلاتهم‏.‏ أو‏:‏ نزهوا ربكم طرفي النهار، ولعله أُمِر أن يُسبح فيها شكرًا، ويأمر قومه بذلك‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ إجابة الدعاء مشروطة بالاضطرار، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ‏}‏ ‏[‏النَّمل‏:‏ 62‏]‏ وفي الحِكَم‏:‏» ما طلَبَ لك شيءٌ مثلُ الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار‏.‏ فإذا اضطررت إلى مولاك، فلا محالة يجيب دعاك، لكن فيما يريد لا فيما تريد، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد‏.‏ فلا تيأس ولا تستعجل ‏{‏والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 216‏]‏‏.‏ فإذا رأيت مولاك أجابك فيما سألته، فاجعل كلامك كله في شكره وذكره، واستفرغ أوقاتك، إلا من شهود إحسانه وبره‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 15‏]‏

‏{‏يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ‏(‏12‏)‏ وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ‏(‏13‏)‏ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ‏(‏14‏)‏ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ‏(‏15‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏صبيًا‏}‏‏:‏ حال من مفعول ‏{‏آتيناه‏}‏، و‏{‏حنانًا‏}‏ و‏{‏زكاة‏}‏‏:‏ عطف على ‏{‏الحُكْم‏}‏‏.‏ و‏{‏من لدنا‏}‏‏:‏ متعلق بمحذوف، صفة له مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية، أي‏:‏ وآتيناه الحكم وتحنُّنًا عظيمًا واقعًا من جنابنا، أو شفقة في قلبه ورحمة على أبويه وغيرهما‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏(‏ما أدري ما حنانًا إلا أن يكون تعطف رحمة الله على عباده‏)‏‏.‏ ومنه قولهم‏:‏ «حَنَانَيْكَ»، مثل سعديْك، وأصله‏:‏ من حنين الناقة على ولدها، و‏{‏برًّا‏}‏‏:‏ عطف على ‏{‏تقيًّا‏}‏‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏يا يحيى‏}‏ أي‏:‏ قلنا يا يحيى، وهذا استئناف طُوي قبله جمل كثيرة، مما يدل على ولادته ونشأته، حتى أوحي إليه، ثم قال له‏:‏ ‏{‏يا يحيى خُذِ الكتابَ‏}‏ أي‏:‏ التوراة، وقيل‏:‏ كتاب خُص به، فدلت الآية على رسالته‏.‏ وفي تفسير ابن عرفة‏:‏ أن يحيى رسول كعيسى‏.‏ ه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏بقوةٍ‏}‏ أي‏:‏ بجد واجتهاد، وقيل‏:‏ بالعمل به، ‏{‏وآتيناه الحُكم صبيًا‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ ‏(‏الحكم هنا النبوة، استنبأهُ وهو ابن ثلاث سنين‏)‏، قلت‏:‏ كون الصبي نبيًا جائز عقلاً، واقع عند الجمهور، وأما بعثه رسولاً فجائز عقلاً، وظاهر كلام الفخر هنا أنه واقع، وأن يحيى وعيسى بُعثا صغيرين‏.‏ وقال ابن مرزوق في شرح البخاري ما نصه‏:‏ ‏(‏الأعم‏:‏ بعث الأنبياء بعد الأربعين‏)‏؛ لأنه بلوغ الأشد، وقيل‏:‏ أرسل يحيى وعيسى- عليهما السلام- صبيين‏.‏ وقال ابن العربي‏:‏ يجوز، ولم يقع‏.‏

وقول عيسى عليه السلام‏:‏ ‏(‏إني عبد الله‏)‏ إخبار عما وجب في المستقبل، لا عما حصل‏.‏ واستُشْكِلَ جواز بعث الصبي بأنه تكليف، وشرطُه‏:‏ البلوغُ، إن كانت الشرائع فيه سواء‏.‏ انظر المحشي الفاسي‏.‏ قلت‏:‏ والذي يظهر أن يحيى وعيسى- عليهما السلام- تنبئا صغيرين، وأرسلا بعد البلوغ‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏ وقيل‏:‏ الحكم‏:‏ الحكمة وفهم التوراة والفقه في الدين‏.‏ رُوي أنه دعاه الصبيان إلى اللعب، فقال‏:‏ ما لِلَعِبٍ خُلقت‏.‏

‏{‏و‏}‏ آتيناه ‏{‏حنانًا‏}‏ أي‏:‏ تحنُّنًا عظيمًا ‏{‏من لَدُنَّا‏}‏‏:‏ من جناب قدسنا، أو تحننًا من الناس عليه‏.‏ قال عوف‏:‏ الحنان المحبّب، ‏{‏وزكاة‏}‏‏:‏ طهارة من العيوب والذنوب، أو صدقة تصدقنا به على أبويه، أو‏:‏ وفّقناه للتصدق على الناس‏.‏ ‏{‏وكان تقيًّا‏}‏؛ مطيعًا لله، متجنبًا للمعاصي، ‏{‏وبرًا بوالديه‏}‏‏:‏ لطيفًا بهما محسنًا إليهما، ‏{‏ولم يكن جبارًا عصيًّا‏}‏؛ متكبرًا عاقًا، فالجبّار‏:‏ هو المتكبر، لأنه يجبر الناس على أخلاقه‏.‏ وقيل‏:‏ من لا يقبل النصيحة، أو عاصيًا الله تعالى‏.‏ ‏{‏وسلامٌ عليه‏}‏ أي‏:‏ سلامة من الله تعالى عليه، ‏{‏يوم وُلِدَ‏}‏ من أن يناله الشيطان بما ينال بني آدم، ‏{‏ويومَ يموتُ‏}‏ من عذاب القبر، ‏{‏ويوم يُبعث حيَّا‏}‏ من هول القيامة وعذاب النار‏.‏

رُوِيَ أن يحيى وعيسى- عليهما السلام- التقيا، فقال له يحيى‏:‏ استغفر لي، فأنت خير مني، فقال له عيسى‏:‏ أنت خير مني، أنا سلمت على نفسي وأنت سلم الله عليك‏.‏

الإشارة‏:‏ أخذ الكتاب بالقوة- وهو الجد والاجتهاد في قراءته- هو أن يكون متجردًا لتلاوته، منصرف الهمة إليه عن غيره، فلا يصدق على العبد أن يأخذ كتاب ربه بقوة، حتى يكون هكذا عند تلاوته‏.‏ قال الورتجبي‏:‏ ‏{‏خُذ الكتابَ بقوة‏}‏ أي‏:‏ خذ كتابنا بنا لا بك، والكتاب كلام الحق الأزلي، أي‏:‏ خذ الكتاب الأزلي بالقوة الأزلية‏.‏ ه‏.‏ ومعناه أن يكون التالي فانيًا عن نفسه، متكلمًا بربه، ويسمعه من ربه، فهذا حال المقربين‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 21‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ‏(‏16‏)‏ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ‏(‏17‏)‏ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ‏(‏18‏)‏ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ‏(‏19‏)‏ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ‏(‏20‏)‏ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ‏(‏21‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏إذ انتبذت‏}‏‏:‏ بدل اشتمال من مريم، على أن المراد بها نبؤها، فإن الظرف مشتمل على ما فيها، وقيل‏:‏ بدل الكل، على أن المراد بالظرف ما وقع فيه‏.‏ وقيل‏:‏ «إذ» ظرف لنبأ المقدر، أي‏:‏ اذكر نبأ مريم حين انتبذت؛ لأن الذكر لا يتعلق بالأعيان، لكن لا على أن يكون المأمور به ذكر نبأها عند انتباذها فقط، بل كل ما عطف عليه وحكي بعده بطريق الاستثناء داخل في حيز الظرف متمم للنبأ‏.‏ و‏{‏مكانًا‏}‏‏:‏ مفعول بانتبذت، باعتبار ما فيه من معنى الإتيان، أي‏:‏ اعتزلت وأتَتْ مكانًا شرقيًا، أو ظرف له، أي‏:‏ اعتزلت في مكان شرقي‏.‏ و‏{‏بَشرًا‏}‏‏:‏ حال‏.‏ وجواب ‏{‏إن كنت‏}‏‏:‏ محذوف، أي‏:‏ إن كنت تقيًا فإني عائذة بالرحمن منك‏.‏ و‏{‏بَغِيًّا‏}‏ أصله‏:‏ بغوي، على وزن فعول، فأدغمت الواو- بعد قلبها ياء- في الياء، وكسرت الغين للياء، و‏{‏لنجعله‏}‏‏:‏ متعلق بمحذوف، أي‏:‏ ولنجعله آية فعلنا ذلك، أو معطوف على محذوف، أي‏:‏ لنُبين لهم كمال قدرتنا ولنجعله‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏ أو على جملة‏:‏ ‏{‏هو عليّ هين‏}‏؛ لأنها في معنى العلة، أي‏:‏ كذلك قال ربك؛ لقدرتنا على ذلك؛ ولنجعله‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏واذكرْ‏}‏ يا محمد ‏{‏في الكتابِ‏}‏‏:‏ القرآن، والمراد هذه السورة الكريمة؛ لأنها هي التي صُدرت بذكر زكريا، واستتبعت بذكر قصة مريم؛ لما بينهما من الاشتباك‏.‏ أي‏:‏ اذكر في الكتاب نبأ ‏{‏مريم إِذ انتبذتْ‏}‏؛ حين اعتزلت ‏{‏من أهلها‏}‏ وأتت ‏{‏مكانًا شرقيًا‏}‏ من بيت المقدس، أو من دارها لتتخلى فيه للعبادة، ولذلك اتخذت النصارى المشرق قبلة‏.‏ وقيل‏:‏ قعدت في مشربة لتغتسل من الحيْض، محتجبة بشيء يسترها، وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاتخذتْ من دونهم حجابًا‏}‏، وكان موضعها المسجد، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، وإذا طهرت عادت إلى المسجد‏.‏ فبينما هي تغتسل من الحيض، متحجبةً دونهم، أتاها جبريل عليه السلام في صورة آدمي، شاب أمرد، وضيء الوجه‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏فأرسلنا إِليها رُوحنا‏}‏‏:‏ جبريل عليه السلام، عبَّر عنه بذلك؛ توفية للمقام حقه‏.‏ وقرئ بفتح الراء؛ لكونه سببًا لِمَا فيه روح العباد، يعني اتباعه والاهتداء به، الذي هو عدة المقربين في قوله‏:‏ ‏{‏فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ‏}‏ ‏[‏الواقِعَة‏:‏ 88، 89‏]‏‏.‏ ‏{‏فتمثَّل لها بشرًا سويًّا‏}‏‏:‏ سَويّ الخَلق، كامل البنية، لم يفقد من حِسان نعوت الآدمية شيئًا، وقيل‏:‏ تمثل لها في صورة شاب تِرْبٍ لها، اسمه يوسف، مِنْ خدَم بيت المقدس، وإنما تمثل لها في تلك الصورة الجميلة لتستأنس به، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلامه تعالى؛ إذ لو ظهر لها على صورة الملَكية، لنفرت منه ولم تستطع مقاومته‏.‏

وأما ما قيل من أن ذلك لتَهيج شهوتُها، فتنحدر نطفتها إلى رحمها، فغلط فاحش، ينحو إلى مذهب الفلاسفة، ولعلها نزعة مسروقة من مطالعة كتبهم، يُكذبه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالت إِني أعوذ بالرحمن منك إِن كنت تقيًا‏}‏، فإنه شاهد عدل بأنه لم يخطر ببالها ميل إليه، فضلاً عن ما ذكر من الحالة المترتبة على أقصى مراتب الميل والشهوة‏.‏

نعم يمكن أن يكون ظهر على ذلك الحُسن الفائق والجمال اللائق؛ لابتلائها واختبار عِفّتها، ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه‏.‏ وذِكْرُ عنوان الرحمانية؛ للمبالغة في العِيَاذ به تعالى، واستجلاب آثر الرحمة الخاصة، التي هي العصمة مما دهمها‏.‏ قاله أبو السعود‏.‏ وقولها‏:‏ ‏{‏إِن كنتَ تَقيًّا‏}‏ أي‏:‏ تتقي الله فتُبَالى بالاستعاذة به‏.‏

‏{‏قال إِنما أنا رسولُ ربك‏}‏ أي‏:‏ لستُ ممن يتوقع منه ما توهمت من الشر، وإنما أنا رسول من استعذت برحمانيته؛ ‏{‏لأهَبَ لك غُلامًا‏}‏ أي‏:‏ لأكون سببًا في هبة الغلام، أو‏:‏ ليهب لك ربُك غُلامًا- في قراءة الياء-‏.‏ والتعرض لعنون الربوبية مع الإضافة إلى ضميرها؛ لتشريفها وتسليتها، والإشعار بعلية الحكم؛ فإن هبة الغلام لها من أحكام تربيتها‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏زكيًّا‏}‏ أي‏:‏ طاهرًا من العيوب صالحًا، أو تزكو أحواله وتنمو في الخير، من سن الطفولية إلى الكبر‏.‏

‏{‏قالت أنَّى يكونُ لي غلامٌ‏}‏ كما وصفتَ، ‏{‏و‏}‏ الحال أنه ‏{‏لم يَمْسَسني بشرٌ‏}‏ بالنكاح، ‏{‏ولم أكُ بغيًا‏}‏؛ زانية فاجرة تبتغي الرجال‏؟‏ ‏{‏قال‏}‏ لها الملك‏:‏ ‏{‏كذلك‏}‏ أي‏:‏ الأمر كما قلتُ لك ‏{‏قال ربكِ هو عليَّ هيِّنٌ‏}‏ أي‏:‏ هبة الغلام من غير أن يمسسك بشرٌ هين سهل على قدرتنا، وإن كان مستحيلاً عادة؛ لأني لا أحتاج إلى الأسباب والوسائط، بل أمرنا بين الكاف والنون، ‏{‏و‏}‏ إنما فعلنا ذلك ‏{‏لنجعله آيةً للناس‏}‏ يستدلون به على كمال قدرتنا‏.‏ والالتفات إلى نون العظمة؛ لإظهار كمال الجلالة، ‏{‏و‏}‏ لنجعله ‏{‏رحمةً‏}‏ عظيمة كائنة ‏{‏منا‏}‏ عليهم، ليهتدوا بهدايته، ويُرشدوا بإرشاده‏.‏ ‏{‏وكان‏}‏ ذلك ‏{‏أمرًا مقضيًا‏}‏ في الأزل، قد تعلق به قضاء الله وقدره، وسُطِّر في اللوح المحفوظ، فلا بُدّ من جريانه عليك، أو‏:‏ كان أمرًا حقيقيًا بأن يقضى ويفعل؛ لتضمنه حِكَمًا بالغة وأسرارًا عجيبة‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ لا تظهر النتائج والأسرار إلا بعد الانتباذ عن الفجار، وعن كل ما يشغل القلب عن التذكار، أو عن الشهود والاستبصار، فإذا اعتزل مكانًا شرقيًا، أي‏:‏ قريبًا من شروق الأنوار والأسرار، بحيث يكون قريبًا من أهل الأنوار، أو بإذنهم، أرسل الله إليه روحًا قدسيًا، وهو وارد رباني تحيا به روحُه وسرُه وقلبُه وقالبُه، فيهب له عِلمًا لدنيا، وسرًا ربانيًا، يكون آية لمن بعده، ورحمة لمن اقتدى به وتبعه‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 33‏]‏

‏{‏فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ‏(‏22‏)‏ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ‏(‏23‏)‏ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ‏(‏24‏)‏ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ‏(‏25‏)‏ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ‏(‏26‏)‏ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ‏(‏27‏)‏ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ‏(‏28‏)‏ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ‏(‏29‏)‏ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ‏(‏30‏)‏ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ‏(‏31‏)‏ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ‏(‏32‏)‏ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ‏(‏33‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏رُطبًا‏}‏‏:‏ تمييز، فيمن أثبت التاءين، أو حذف إحداهما، ومفعول به، فيمن قرأ بتاء واحدة مع كسر القاف‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏فحملَتْهُ‏}‏ بأن نفخ جبريل في درعها، فدخلت النفخة في جوفها‏.‏ قيل‏:‏ إن جبريل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه، وقيل‏:‏ نفخ عن بُعد، فوصل الريح إليها فحملت في الحال، وقيل‏:‏ إن النفخة كانت في فيها، وكانت مدة حملها سبعة أشهر، وقيل‏:‏ ثمانية‏.‏ ولم يعش ولد من ثمانية‏.‏ وفي ابن عطية‏:‏ تظاهرت الروايات أنها ولدت لثمانية أشهر، ولذلك لا يعيش ابن ثمانية أشهر؛ حفظًا لخاصية عيسى، فتكون معجزة له‏.‏ ه‏.‏ وقيل‏:‏ تسعة أشهر‏.‏ وقيل‏:‏ ثلاث ساعات، حملته في ساعة، وصُور في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشمس‏.‏ وقيل‏:‏ ساعة، ما هو إلا أن حملت فوضعت، وسنها حينئذ ثلاث عشرة سنة، وقيل‏:‏ عشر سنين، وقد حاضت حيضتين‏.‏

‏{‏فانتبذت به‏}‏ أي‏:‏ فاعتزلت ملتبسة به حين أحست بقرب وضعها، ‏{‏مكانًا قَصيًّا‏}‏‏:‏ بعيدًا من أهلها وراء الجبل، وقيل‏:‏ أقصى الدار‏.‏ ‏{‏فأجاءها المخاضُ‏}‏؛ فألجأها المخاض‏.‏ وقرئ بكسر الميم‏.‏ وكلاهما مصدر، مَحَضتِ المرأة‏:‏ إذا تحرك الولد في بطنها للخروج، ‏{‏إِلى جِذْعِ النخلةِ‏}‏ لتستتر به، أو لتعتمد عليه عند الولادة، وهو ما بين العِرق والغصن‏.‏ وكانت نخلة يابسة، لا رأس لها ولا قعدة، قد جيء بها لبناء بيت، وكان الوقت شتاء، والتعريف في النخلة إما للجنس أو للعهد، إذ لم يكن ثَمَّ غيرها، ولعله تعالى ألهمها ذلك ليريها من آياتها ما يسكن روعتها، وليطعمها الرطب، الذي هو من طعام النفساء الموافق لها‏.‏

‏{‏قالت‏}‏ حين أخذها وجع الطلق‏:‏ ‏{‏يا ليتني متُّ‏}‏ بكسر الميم، من مات يُمَاتُ، وبالضم، من مات يموت، ‏{‏قبل هذا‏}‏ الوقت الذي لقيتُ فيه ما لقيت، وإنما قالته، مع أنها كانت تعلم ما جرى لها مع جبريل عليه السلام من الوعد الكريم؛ استحياء من الناس، وخوفًا من لائمتهم، أو جريًا على سنن الصالحين عند اشتداد الأمر، كما رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه أخذ تِبْنَةً من الأرض، فقال‏:‏ ليتني هذه التبنة ولم أكن شيئًا «‏.‏ وقال بلال‏:‏ ‏(‏ليت بلالاً لم تلده أمه‏)‏‏.‏ ثم قالت‏:‏ ‏{‏وكنتُ نسْيًا‏}‏ أي‏:‏ شيئًا تافهًا شأنه أن يُنسى ولا يُعتد به، ‏{‏منسيًّا‏}‏ لا يخطر ببال أحد من الناس‏.‏ وقُرئ بفتح النون، وهما لغتان؛ نِسي ونَسْي، كالوَتْر والوِتْر‏.‏ وقيل‏:‏ بالكسر‏:‏ اسم ما ينسى، وبالفتح‏:‏ مصدر‏.‏

‏{‏فناداها‏}‏ أي‏:‏ جبريل عليه السلام ‏{‏مِنْ تحتِها‏}‏، قيل‏:‏ إنه كان يقبل الولد من تحتها، أي‏:‏ من مكان أسفل منها، وقيل‏:‏ من تحت النخلة، وقيل‏:‏ ناداها عيسى عليه السلام، ويرجحه قراءة من قرأ بفتح الميم، أي‏:‏ فخاطبها الذي تحتها‏:‏ ‏{‏أن لا تحزني‏}‏، أو‏:‏ بألا تحزني، على أنَّ» أنْ «مفسرة، أو مصدرية، حذف عنها الجار‏.‏

‏{‏قد جعل ربك تحتكِ‏}‏ أي‏:‏ بمكان أسفل منك ‏{‏سَرِيًا‏}‏ أي‏:‏ نهرًا صغيرًا، حسبما رُوي مرفوعًا‏.‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ‏(‏إن جبريل عليه السلام ضرب برجله الأرض، فظهرت عين ماء عذب، فجرى جدولاً‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ فعله عيسى، أي‏:‏ ضرب برجله فجرى، وقيل‏:‏ كان هناك نهر يابس- أجرى الله تعالى فيه الماء-، كما فعل مثله بالنخلة، فإنها كانت يابسة لا رأس لها، فأخرج لها رأسًا وخُوصًا وتمرًا‏.‏ وقيل‏:‏ كان هناك نهرُ ماء‏.‏ والأول أظهر؛ لأنه الموافق لبيان إظهار الخوارق، والمتبادر من النظم الكريم‏.‏

وقيل‏:‏ ‏{‏سريًا‏}‏ أي‏:‏ سيدًا نبيلاً رفيعَ الشأن جليلاً، وهو عيسى عليه السلام، والتنوين حينئذ للتفخيم‏.‏ والجملة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهي‏.‏ والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرها؛ لتشريفها وتأكيد التعليل وتكميل التسلية‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وهُزّي إِليك‏}‏ أي‏:‏ حركي النخلة إليك، أي‏:‏ جاذبة لها إلى جهتك‏.‏ فهَزُّ الشيء‏:‏ تحريكه إلى الجهات المتقابلة تحريكًا عنيفًا، والمراد هنا ما كان بطريق الجذب والدفع‏.‏ والباء في قوله‏:‏ ‏{‏بجذع النخلة‏}‏‏:‏ صلة للتأكيد، لقول العرب‏:‏ هزَّ الشيء وهز به، أو للإلصاق‏.‏ فإذا هززت النخلة ‏{‏تَسَّاقَط‏}‏ أي‏:‏ تتساقط‏.‏ وقُرئ‏:‏ تساقِطَ، وتُسْقِط، أي‏:‏ النخلة عليك إسقاطًا متواترًا بحسب تواتر الهز ‏{‏رُطبًا جنيًا‏}‏ أي‏:‏ طريًّا، وهو ما قطع قبل يبسه‏.‏ فعيل بمعنى مفعول، أي‏:‏ مجنيًا صالحًا للاجتناء‏.‏ ‏{‏فكُلي‏}‏ من ذلك الرطب ‏{‏واشربي‏}‏ من ذلك السري، ‏{‏وقَرّي عينًا‏}‏؛ وطيبي نفسًا وارفضي عنك ما أحزنك وأهمك، فإنه تعالى قد نزه ساحتك عن التُهم، بما يفصح به لسان ولدك من التبرئة‏.‏ أو‏:‏ وقري عينًا بحفظ الله ورعايته في أمورك كلها‏.‏ وقرة العين‏:‏ برودتها، مأخوذ من القرّ، وهو البرد؛ لأن دمع الفرح بارد، ودمع الحزن سُخن، ولذلك يقال‏:‏ قرة العين للمحبوب، وسُخنة العين للمكروه‏.‏

‏{‏فإِما تَرَينَّ من البشر أحدًا‏}‏ آدميًا كائنًا من كان ‏{‏فقولي‏}‏ له إن استنطقكِ أو لامك‏:‏ ‏{‏إِني نذرتُ للرحمن صومًا‏}‏ أي‏:‏ صمتًا، وقُرئ كذلك، وكان صيامهم السكوت، فكانوا يصومون عن الكلام كما يصومون عن الطعام‏.‏ وذكر ابن العربي في الأحوذي‏:‏ أن نبينا- عليه الصلاة والسلام- اختص بإباحة الكلام لأمته في الصوم، وكان محرمًا على من قبلنا، عكس الصلاة‏.‏ ه‏.‏ قالت‏:‏ ‏{‏فلن أُكلِّمَ اليوم إِنسيًّا‏}‏ أي‏:‏ بعد أن أخبرتكم بنذري، وإنما أكلم الملائكة أو أناجي ربي‏.‏ وقيل‏:‏ أُمرت بأن تُخبر عن نذرها بالإشارة‏.‏ قال الفراء‏:‏ العرب تُسمى كل ما وصل إلى الإنسان كلامًا، ما لم يُؤكّد بالمصدر، فإذا أُكد لم يكن إلا حقيقة الكلام‏.‏ ه‏.‏ وإنما أُمرت بذلك ونذرته؛ لكراهة مجادلة السفهاء ومقاولتهم، وللاكتفاء بكلام عيسى عليه السلام؛ فإنه نص قاطع في قطع الطعن‏.‏

‏{‏فأتت به قومًها‏}‏ عندما طَهُرت من نفاسها، ‏{‏تحملُه‏}‏ أي‏:‏ حاملة له‏.‏ قال الكلبي‏:‏ احتمل يوسف النجار- وكان ابن عمها- مريمَ وابنها عيسى، فأدخلهما غارًا أربعين يومًا، حتى تَعَلّتْ من نفاسها، ثم جاءت به تحمله بعد أربعين يومًا، وكلمها عيسى في الطريق، فقال‏:‏ يا أمه، أبشري، فإني عبد الله ومسِيحُه‏.‏ فلما رآها أهلُها، بَكَوا وحزنوا، وكانوا قومًا صالحين‏.‏ ‏{‏قالوا يا مريمُ لقد جئتِ‏}‏ أي‏:‏ فعلت ‏{‏شيئًا فَرِيًّا‏}‏‏:‏ عظيمًا بديعًا منكرًا، من فَرَى الجلد‏:‏ قطعه‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ ‏(‏كل فائق من عَجَب أو عمل فهو فَرِيّ‏)‏‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ في حق عمر رضي الله عنه‏:‏ «فلم أرَ عَبْقَرِيًا من النَّاس يَفْرِي فَرِيَّة»، أي‏:‏ يعمل عمله‏.‏

‏{‏يا أخت هارون‏}‏، عنوا هارون أخا موسى؛ لأنها كانت من نسله، أي‏:‏ كانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة، وكان بينها وبينه ألفُ سنة‏.‏ أو يا أخت هارون في الصلاح والنسك، وكان رجلاً صالحًا في زمانهم اسمه هارون، فشبهوها به‏.‏ ذُكِرَ لما مات تبع جنازته أربعون ألفًا، كلهم يسمي هارون من بني إسرائيل‏.‏ وقيل‏:‏ إن هارون الذي شبهوها به كان أفسق بني إسرائيل، فشتموها بتشبيهها به‏.‏ ‏{‏ما كان أبوك‏}‏ عمران ‏{‏امْرأَ سَوْءٍ وما كانت أُمك بغيًا‏}‏، فمن أين لك هذا الولد من غير زوج‏؟‏‏.‏ هذا تقرير لكون ما جاءت به فريًا منكرًا، أو تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش الفواحش‏.‏

‏{‏فأشارتْ إِليه‏}‏ أي‏:‏ إلى عيسى أن كلموه، ولم تكلمهم وفاء بنذرها، وإشارتها إليه من باب الإدلال، رجوعًا لقوله لها‏:‏ ‏{‏وقرّي عينًا‏}‏، ولا تقر عينها إلا بالوفاء بما وعُدت به، من العناية بأمرها والكفاية لشأنها، وذلك يقتضي انفرادها بالله وغناها به، فتدل بالإشارة‏.‏ وكان ذلك طوعَ يدها، وتذكّر قضية جريج‏.‏ قاله في الحاشية‏.‏ ‏{‏قالوا‏}‏ منكرين لجوابها‏:‏ ‏{‏كيف نُكلم من كان في المهد صبيًّا‏}‏، ولم يُعهد فيما سلف صبي يكلمه عاقل‏.‏ و‏{‏كان‏}‏ هنا‏:‏ تامة‏.‏ و‏{‏صبيًّا‏}‏‏:‏ حال‏.‏ وقيل‏:‏ زائدة، أي‏:‏ من هو في المهد‏.‏

‏{‏قال‏}‏ عيسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏إِني عبد الله‏}‏، أنطقه الله تعالى بذلك تحقيقًا للحق، وردًا على من يزعم ربوبيته‏.‏ قيل كان المستنطق لعيسى زكريا- عليهما السلام- وعن السدي‏:‏ ‏(‏لما أشارت إليه، غضبوا، وقالوا‏:‏ لَسُخْرِيَتُها بنا أشدُّ علينا مما فعلت‏)‏‏.‏ رُوي أنه عليه السلام كان يرضع، فلما سمع ذلك ترك الرضاع واقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره، وأشار بسبابته، فقال ما قال‏.‏ وقيل‏:‏ كلمهم بذلك، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغًا يتكلم فيه الصبيان‏.‏

ثم قال في كلامه‏:‏ ‏{‏آتاني الكتابَ‏}‏‏:‏ الإنجيل‏:‏ ‏{‏وجعلني‏}‏ مع ذلك ‏{‏نبيًّا وجعلني مباركًا‏}‏‏:‏ نفَّاعًا للناس، معلمًا للخير ‏{‏أينما كنتُ‏}‏ أي‏:‏ حيثما كنت، ‏{‏وأوصاني بالصلاة‏}‏‏:‏ أمرني بها أمرًا مؤكدًا، ‏{‏والزكاة‏}‏؛ زكاة الأموال، أو بتطهير النفس من الرذائل ‏{‏ما دمت حيًا‏}‏ في الدنيا‏.‏

‏{‏و‏}‏ جعلني ‏{‏برًّا بوالدتي‏}‏ فهو عطف على ‏{‏مباركًا‏}‏‏.‏ وقرئ بالكسر، على أنه مصدرٌ وُصف به مبالغةً، وعبّر بالفعل الماضي في الأفعال الثلاثة؛ إما باعتبار ما سبق في القضاء المحتوم، أو بجعل ما سَيَقَع واقعًا لتحققه‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏ولم يجعلني جبارًا شقيًّا‏}‏ عند الله تعالى، بل متواضعًا لينًا، سعيدًا مقربًا، فكان يقول‏:‏ سلوني، فإن قلبي لين، وإني في نفسي صغير، لما أعطاه الله من التواضع‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏والسلام عليَّ يوم ولدتُ ويوم أموتُ ويوم أُبعث حيًّا‏}‏، كما تقدم على يحيى‏.‏ وفيه تعريض بمن خالفه، فإن إثبات جنس السلام لنفسه تعريض بإثبات ضده لأضداده، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والسلام على مَنِ اتبع الهدى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 47‏]‏؛ فإنه تعريض بأن العذاب على من كذّب وتولى‏.‏

فهذا آخر كلام عيسى عليه السلام، وهو أحد من تكلم في المهد، وقد تقدم ذكرهم في سورة يوسف نظمًا ونثرًا‏.‏ وكلهم معروفون، غير أن ماشطة ابنة فرعون لم تشتهر حكايتها‏.‏ وسأذكرها كما ذكرها الثعلبي‏.‏ قال‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏(‏لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم مرت به ريح طيبة فقال‏:‏ يا جبريل ما هذه الرائحة‏؟‏ قال‏:‏ رائحة ماشطةِ بنتِ فرعون، كانت تمشطها، فوقع المشط من يدها، فقالت‏:‏ بسم الله، فقالت ابنته‏:‏ أبى‏؟‏ فقالت‏:‏ لا، بل ربي وربك ورب أبيك‏.‏ فقالت‏:‏ أُخبر بذلك أبي‏؟‏ قالت‏:‏ نعم، فأخبرته فدعاها، وقال‏:‏ من ربك‏؟‏ قالت‏:‏ ربي وربك في السماء، فأمر فرعون ببقرة- أي‏:‏ آنية عظيمة من نحاس- فَأُحْمِيَتْ، ودعاها بولدها، فقالت‏:‏ إن لي إليك لحاجةً، قال‏:‏ وما حاجتك‏؟‏ قالت‏:‏ تجمع عظامي وعظامَ ولدي فتدفنها جميعًا، قال‏:‏ وذلك لك علينا من الحقّ، سأفعل ذلك لك، فأمر بأولادها واحدًا واحدًا، حتى إذا كان آخر ولدها، وكان صبيًا مرضَعًا، قال‏:‏ اصبري يا أمه‏.‏‏.‏‏.‏ فألقاها في البقرة مع ولدها‏.‏ ه‏.‏

الإشارة‏:‏ يؤخذ من الآية أمور صوفية، منها‏:‏ أن الإنسان يُباح له أن يستتر في الأمور التي تهتك عرضه، ويهرب إلى مكان يُصان فيه عرضه، إلا أن يكون في مقام الرياضة والمجاهدة، فإنه يتعاطى ما تموت به نفسه، ومنها‏:‏ أنه لا بأس أن يلجأ الإنسان إلى ما يخفف آلامه ويسهل شدته، ولا ينافي توكله‏.‏ ومنها‏:‏ أن لا بأس أن يتمنى الموت إذا خاف ذهاب دينه أو عرضه، أو فتنة تحول بينه وبين قلبه‏.‏ ويُؤخذ أيضًا من الآية‏:‏ أن فزع القلب عند الصدمة الأولى لا ينافي الصبر والرضا؛ لأنه من طبع البشر، وإنما ينافيه تماديه على الجزع‏.‏

ومنها‏:‏ أن تحريك الأسباب الشرعية لا ينافي التوكل، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهُزي إليك‏}‏‏.‏ لكن إذا كانت خفيفة مصحوبة بإقامة الدين، غير معتمد عليها بقلبه، فإن كان متجردًا فلا يرجع إليها حتى يكمل يقينه، ويتمكن في معرفة الحق تعالى‏.‏

وقد كانت في بدايتها تأتي إليها الأرزاق بغير سبب كما في سورة آل عمران، وفي نهايتها قال لها‏:‏ ‏{‏وهُزي إليك‏}‏‏.‏ قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه‏:‏ كانت في بدايتها متعرفًا إليها بخرق العادات وسقوط الأسباب، فلما تكمل يقينها رجعت إلى الأسباب، والحالة الثانية أتم من الحالة الأولى، وأما من قال‏:‏ إن حبها أولاً كان لله وحده، فلما ولدت انقسم حبها، فهو تأويل لا يرضى ولا ينبغي أن يلتفت إليه، لأنها صدّيقة، والصدّيق والصدّيقة لا ينتقلان من حالة إلا إلى أكمل منها‏.‏

ومنها‏:‏ أن الإنسان لا بأس أن يوجب على نفسه عبادة، إذا كان يتحصن بها من الناس، أو من نفسه، كالصوم أو الصمت أو غيرهما، مما يحجزه عن العوام، أو عن الانتصار للنفس‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والسلام عليّ يوم وُلدتُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال الورتجبي‏:‏ سلام يحيى سلام تخصيص الربوبية على العبودية‏.‏ ثم قال‏:‏ وسلام عيسى من عين الجمع، سلام فيه مزية ظهور الربوبية في معدن العبودية‏.‏ وأرفع المقامين سلام الحق على سيد المرسلين كفاحًا في وصاله وكشف جماله، ولو سَلّم عليه بلسانه كان بلسان الحدث، ولا يبلغ رتبة سلامه بوصف قِدَمه‏.‏ ه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 40‏]‏

‏{‏ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ‏(‏34‏)‏ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏35‏)‏ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ‏(‏36‏)‏ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏37‏)‏ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏38‏)‏ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏39‏)‏ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ‏(‏40‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏وإن الله‏}‏‏:‏ عطف على قوله‏:‏ ‏{‏إني عبد الله‏}‏ فيمن كسر، وعلى حذف اللام فيمن فتح، أي‏:‏ ولأن الله ربي وربكم‏.‏ وقال الواحدي وأبو محمد مكي‏:‏ عطف على قوله‏:‏ ‏{‏بالصلاة‏}‏ أي‏:‏ أوصاني بالصلاة وبأن الله‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏:‏ وقال المحلي‏:‏ بالفتح، بتقدير اذكر، وبالكسر بتقدير «قل»‏.‏ و‏{‏قول الحق‏}‏‏:‏ مصدر مؤكد لقال، فيمن نصب، وخبر عن مضمر، فيمن رفع، أي‏:‏ هو، أو هذا‏.‏ و‏{‏إذا قضى‏}‏‏:‏ بدل من ‏{‏يوم الحسرة‏}‏، أو ظرف للحسرة‏.‏ و‏{‏هم في غفلة وهم لا يؤمنون‏}‏‏:‏ جملتان حاليتان من الضمير المستقر في الظرف في قوله‏:‏ ‏{‏في ضلال مبين‏}‏ أي‏:‏ مستقرين في الضلال وهم في تينك الحالتين‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ المنعوت بتلك النعوت الجليلة، والأوصاف الحميدة هو ‏{‏عيسى ابنُ مريم‏}‏، لا ما يصفه النصارى به من وصف الألوهية، فهو تكذيب لهم على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني، حيث جعله موصوفًا بأضداد ما يصفونه به‏.‏ وأتى بإشارة البعيد؛ للدلالة على علو رُتبته وبُعد منزلته، وامتيازه بتلك المناقب الحميدة عن غيره، ونزوله منزلة المشاهد المحسوس‏.‏

هذا ‏{‏قولُ الحق‏}‏، أو قال عيسى ‏{‏قولَ الحق‏}‏ الذي لا ريب فيه، وأنه عبد الله ورسوله، ‏{‏الذي فيه يمترون‏}‏ أي‏:‏ يشكون أو يتنازعون، فيقول اليهود‏:‏ ساحر كذاب، ويقول النصارى‏:‏ إله، أو ابن الله‏.‏ ‏{‏ما كان لله أن يتخذ من ولد‏}‏ أي‏:‏ ما صح، أو ما استقام له أن يتخذ ولدًا، ‏{‏سبحانه‏}‏ وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، فهو تنزيه عما بهتوه، ونطقوا به من البهتان، وكيف يصح أن يتخذ الله ولدًا، وهو يحتاج إلى أسباب ومعالجة، وأمره تعالى أسرع من لحظ العيون، ‏{‏إِذا قضى أمرًا فإِنما يقول له كن فيكون‏}‏‏.‏

ثم قال لهم عيسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏وإنَّ الله ربي وربكم فاعبدوه‏}‏، فهو من تمام ما نطق به في المهد، وما بينهما اعتراض، للمبادرة للرد على من غلط فيه، أي‏:‏ فإني عبد، وإن الله ربي وربكم فاعبدوه وحده ولا تُشركوا معه غيره، ‏{‏هذا‏}‏ الذي ذكرت لكم الذي ذكرت لكم من التوحيد ‏{‏صراط مستقيم‏}‏ لا يضل سالكه ولا يزيغ متبعه‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏فاختلف الأحزابُ من بينهم‏}‏، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، تنبيهًا على سوء صنيعهم، بجعلهم ما يُوجب الاتفاق منشأ للاختلاف، فإن ما حكى من مقالات عيسى عليه السلام، مع كونها نصوصًا قاطعة في كونه عبده تعالى ورسوله، قد اختلفت اليهود والنصارى بالتفريط والإفراط، وفرّق النصارى، فقالت النسطورية‏:‏ هو ابن الله، وقالت اليعقوبية‏:‏ هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء، وقالت المِلْكَانية‏:‏ هو ثالث ثلاثة‏.‏ ‏{‏فويلٌ للذين كفروا‏}‏ وهم‏:‏ المختلفون فيه بأنواع الضلالات‏.‏

وأظهر الموصول في موضع الإضمار؛ إيذانًا بكفرهم جميعًا، وإشعارًا بِعِلِّيَّةِ الحكم، ‏{‏من مَشْهَدِ يوم عظيم‏}‏ أي‏:‏ ويل لهم من شهود يوم عظيم الهول والحساب والجزاء، وهو يوم القيامة، أو‏:‏ من وقت شهوده أو مكانه، أو من شهادة اليوم عليهم، وهو أن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء- عليهم السلام- وألسنتُهم وأيديهم وأرجلهم، بالكفر والفسوق‏.‏

‏{‏أسمِعْ بهم وأبصرْ‏}‏ أي‏:‏ ما أسمعهم وما أبصرهم، تعجب من حدة سمعهم وإبصارهم يومئذ‏.‏ والمعنى‏:‏ أن أسماعهم وأبصارهم ‏{‏يوم يأتوننا‏}‏ للحساب والجزاء جدير أن يُتعجب منها، بعد أن كانوا في الدنيا صمًا عميًا‏.‏ أو‏:‏ ما أسمعهم وأطوعهم لما أبصروا من الهدى، ولكن لا ينفعهم يومئذ مع ضلالهم عنه اليوم، فقد سمعوا وأبصروا، حين لم ينفعهم ذلك‏.‏ قال الكلبي‏:‏ لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر، حين يقول الله لعيسى‏:‏ ‏{‏أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله‏}‏ ‏[‏المَائدة‏:‏ 116‏]‏‏.‏ ه‏.‏ ويحتمل أن يكون أمر تهديد لا تعجب، أي‏:‏ أسمعهم وأبصرهم مواعيد ذلك اليوم، وما يحيق بهم فيه، فالجار والمجرور، على الأول، في موضع رفع، وعلى الثاني‏:‏ نصب‏.‏ ‏{‏لكن الظالمون اليومَ‏}‏ أي‏:‏ في الدنيا، ‏{‏في ضلال مبين‏}‏ أي‏:‏ لا يدرك غايته، حيث غفلوا عن الاستماع والنظر بالكلية‏.‏ ووضع الظالمين موضع الضمير؛ للإيذان بأنهم في ذلك ظلمون لأنفسهم حيث تركوا النظر‏.‏

‏{‏وأنذرهم يوم الحسرة‏}‏ يوم يتحسر الناس قاطبة، أما المسيء فعلى إساءته، وأما المحسن فعلى قلة إحسانه، ‏{‏إِذ قُضيَ الأمر‏}‏ أي‏:‏ فرغ من يوم الحساب، وتميز الفريقان، إلى الجنة وإلى النار‏.‏

رُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن ذلك، فقال‏:‏ «حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح، فيُذبح، والفريقان ينظرون، فينادي؛ يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، وأهل النار غمًا إلى غمهم، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وأنذرهم يوم الحسرة إِذْ قُضي الأمر وهم في غفلة‏}‏، وأشار بيده إلى الدنيا» قال مقاتل‏:‏ ‏(‏لولا ما قضى الله من تعميرهم فيها، وخلودهم؛ لماتوا حسرة حين رأوا ذلك‏)‏‏.‏ ‏{‏وهم‏}‏ في هذا اليوم ‏{‏في غفلة‏}‏ عما يراد بهم في الآخرة، ‏{‏وهم لا يُؤمنون‏}‏ بهذا؛ لاغترارهم ببهجة الدنيا، فلا بد أن تنهد دعائمها، وتمحى بهجتها، ويفنى كل ما عليها، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنا نحن نرث الأرضَ ومَنْ عليها‏}‏ لا ينبغي لأحد غيرنا أن يكون له عليها وعليكم ملك ولا تصرف، أو‏:‏ إنا نحن نتوفى الأرض ومن عليها، بالإفناء والإهلاك، توفي الوارث لإرثه، ‏{‏وإِلينا يُرجعون‏}‏؛ يُردون إلى الجزاء، لا إلى غيرنا، استقلالاً أو اشتراكًا‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ينبغي للعبد المعتني بشأن نفسه أن يحصِّن عقائده بالدلائل القاطعة، والبراهين الساطعة، على وفاق أهل السُنَّة، ثم يجتهد في صحبة أهل العرفان، أهل الذوق والوجدان، حتى يُطلعوه على مقام الإحسان، مقام أهل الشهود والعيان‏.‏

فإذا فرط في هذا، لحقه الندم والحسرة، في يوم لا ينفع فيه ذلك‏.‏ فكل من تخلف عن مقام الذوق والوجدان؛ فهو ظالم لنفسه باخس لها، يلحقه شيء من الخسران، ولا بد أنْ تبقى فيه بقية من الضلال، حيث فرط عن اللحوق بطريق الرجال، قال تعالى‏:‏ ‏{‏لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين‏}‏‏.‏

‏{‏وأنذرهم يوم الحسرة‏}‏ أي‏:‏ يوم يرفع المقربون ويسقط المدعون‏.‏ فأهل الذوق والوجدان حصل لهم اللقاء في هذه الدار، ثم استمر لهم في دار القرار‏.‏ رُوي أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه قال يومًا بين يدي أستاذه‏:‏ ‏(‏اللهم اغفر لي يوم لقائك‏)‏‏.‏ فقال له شيخه- القطب ابن مشيش- رضي الله عنهما‏:‏ هو أقرب إليك من ليلك ونهارك، ولكن الظلم أوجب الضلال، وسبقُ القضاء حَكَمَ بالزوال عن درجة الأُنْس ومنازل الوصال، وللظالم يومٌ لا يرتاب فيه ولا يخاتل، والسابق قد وصل في الحال، «أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين»‏.‏ ه‏.‏ كلامه رضي الله عنه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 45‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ‏(‏41‏)‏ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ‏(‏42‏)‏ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ‏(‏43‏)‏ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ‏(‏44‏)‏ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ‏(‏45‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏إذ قال‏}‏‏:‏ بدل اشتمال من ‏{‏إبراهيم‏}‏، وما بينهما‏:‏ اعتراض، أو متعلق بكان‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏واذكر في الكتاب‏}‏؛ القرآن أو السورة، ‏{‏إِبراهيم‏}‏ أي‏:‏ اتل على الناس نبأه وبلغه إياهم، كقوله‏:‏ ‏{‏واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 69‏]‏؛ لأنهم ينتسبون إليه عليه السلام، فلعلهم باستماع قصته يقلعون عما هم عليه من الشرك والعصيان‏.‏ ‏{‏إِنه كان صدّيقًا‏}‏؛ ملازمًا للصدق في كل ما يأتي ويذر، أو كثير التصديق؛ لكثرة ما صدق به من غيوب الله تعالى وآياته وكتبه ورسله، فالصدِّيق مبالغة في الصدق، يقال‏:‏ كل من صدق بتوحيد الله وأنبيائه وفرائضه، وعمل بما صدق به فهو صدّيق، وبذلك سُمي أبو بكر الصدّيق، وسيأتي في الإشارة تحقيقه عند الصوفية، إن شاء الله‏.‏

والجملة‏:‏ استئناف مسوق لتعليل موجب الأمر؛ فإن وصفه عليه السلام بذلك من دواعي ذكره، وكان أيضًا ‏{‏نبيًّا‏}‏، أي‏:‏ كان جامعًا بين الصديقية والنبوة، إذ كل نبي صِدِّيق، ولا عكس‏.‏ ولم يقل‏:‏ نبيًا صديقًا؛ لئلا يتوهم تخصيص الصديقية بالنبوة‏.‏

‏{‏إِذْ قال لأبيه‏}‏ آزر، متلطفًا في الدعوة مستميلاً له‏:‏ ‏{‏يا أبتِ‏}‏، التاء بدل من ياء الإضافة، أي‏:‏ يا أبي، ‏{‏لِمَ تعبدُ ما لا يسمع‏}‏ ثناءك عليه حين تعبده، ولا جُؤَارك إليه حين تدعوه، ‏{‏ولا يُبْصِرُ‏}‏ خضوعك وخشوعك بين يديه، أو‏:‏ لا يسمع ولا يبصر شيئًا من المسموعات والمبصرات، فيدخل في ذلك ما ذكر دخولاً أوليًا، ‏{‏ولا يُغْنِي عنك شيئًا‏}‏ أي‏:‏ لا يقدر أن ينفعك بشيء في طلب نفع أو دفع ضرر‏.‏

انظر؛ لقد سلك عليه السلام في دعوته وموعظته أحسن منهاج وأقوم سبيل، واحتج عليه بأبدع احتجاج، بحسن أدب، وخلق جميل، لكن وقع ذلك لسائرٍ ركب متن المكابرة والعناد، وانتكب بالكلية عن محجة الصواب والرشاد، أي‏:‏ فإنَّ من كان بهذه النقائص يأبى مَن له عقل التمييز من الركون إليه، فضلاً عن عبادته التي هي أقصى غاية التعظيم، فإنها لا تحِقُ إلا لمن له الاستغناء التام والإنعام العام، الخالق الرازق، المحيي المميت، المثيب المعاقب، والشيء لو كان مميزًا سميعًا بصيرًا قادرًا على النفع والضر، لكنه ممكن، لاستنكف العقل السليم عن عبادته، فما ظنك بجماد مصنوع من حجر أو شجر، ليس له من أوصاف الأحياء عين ولا أثر‏.‏

ثم دعاء إلى اتباعه؛ لأنه على المنهاج القويم، مُصدّرًا للدعوة بما مرَّ من الاستعطاف والاستمالة، حيث قال‏:‏ ‏{‏يا أبتِ إِني قد جاءني من العلم ما لم يأتِكَ‏}‏، لم يَسِمْ أباه بالجهل المفرط، وإن كان في أقصاه، ولا نفسه بالعلم الفائق، وإن كان في أعلاه، بل أبرز نفسه في صورة رفيق له، أعرفَ بأحوال ما سلكاه من الطريق، فاستماله برفق، حيث قال‏:‏ ‏{‏فاتّبِعْنِي أَهدِكَ صراطًا سوِيًّا‏}‏ أي‏:‏ مستقيمًا موصلاً إلى أسمى المطالب، منجيًا من الضلال المؤدي إلى مهاوي الردى والمعاطب‏.‏

ثم ثبّطه عما كان عليه من عبادة الأصنام، فقال‏:‏ ‏{‏يا أبتِ لا تعبدِ الشيطانَ‏}‏، فإن عبادتك للأصنام عبادة له، إذ هو الذي يُسولُها لك ويغريك عليها، ثم علل نهيه فقال‏:‏ ‏{‏إِن الشيطان كان للرحمن عَصِيًّا‏}‏، فهو تعليل لموجب النهي، وتأكيد له ببيان أنه مستعصٍ على ربك، الذي أنعم عليك بفنون النعم، وسينتقم منه فكيف تعبده‏؟‏‏.‏

والإظهار في موضع الإضمار؛ لزيادة التقرير، والاقتصارُ على ذكر عصيانه بترك السجود من بين سائر جناياته؛ لأنه ملاكها، أو لأنه نتيجة معاداته لآدم وذريته، فتذكيره به داع لأبيه إلى الاحتراز عن موالاته وطاعته‏.‏ والتعرض لعنوان الرحمانية؛ لإظهار كمال شناعة عصيانه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يا أبتِ إِني أخاف أن يمسّك عذابٌ من الرحمن‏}‏ تحذير من سوء عاقبة ما كان عليه من عبادة الشيطان، وهو اقترانه معه في الهوان الفظيع‏.‏ و‏{‏من الرحمن‏}‏‏:‏ صفة لعذاب، أي‏:‏ عذاب واقع من الرحمن، وإظهار ‏{‏الرحمن‏}‏؛ للإشعار بأن وصف الرحمانية لا يدفع حلول العذاب، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 6‏]‏، ‏{‏فتكون للشيطان وليًّا‏}‏ أي‏:‏ فإذا قرنت معه في العذاب تكون قرينًا له في اللعن المخلد‏.‏ فهذه موعظة الخليل لأبيه، وقد استعمل معه الأدب من خمسة أوجه‏:‏

الأول‏:‏ ندائه‏:‏ بيا أبت، ولم يقل يا آزر، أو يا أبي‏.‏

الثاني‏:‏ قوله ‏{‏ما لا يسمع‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ، ولم يقل‏:‏ لِمَ تعبد الخشب والحجر‏.‏

الثالث‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك‏}‏، ولم يقل له‏:‏ أنك جاهل ضال‏.‏

الرابع‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏إني أخاف‏}‏، حيث عبَّر له بالخوف ولم يجزم له بالعذاب‏.‏

الخامس‏:‏ في قوله‏:‏ ‏{‏أن يمسك‏}‏، حيث عبَّر بالمس ولم يُعبر باللحوق أو النزول‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ قد جمع الحق تبارك وتعالى لخليله مقام الصدّيقة والنبوة مع الرسالة والخلة، وقدَّم الصديقية لتقدمها في الوجود في حال الترقي، فالصديقية تلي مرتبة النبوة، كما تقدم في سورة النساء‏.‏ فالصدّيق عند الصوفية هو الذي يَعْظُمْ صدقه وتصديقه، فيصدِّق بوجود الحق وبمواعده، حتى يكون ذلك نصب عينيه، من غير تردد ولا تلجلج، ولا توقف على آية ولا دليل‏.‏ ثم يبذل مهجته وماله في مرضاة مولاه، كما فعل الخليل، حيث قدم بدنه للنيران وطعامه للضيفان وولده للقربان‏.‏ وكما فعل الصدِّيق، حيث واسى النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه في الغار، وخرج عن ماله خمس مرار‏.‏ وكما فعل الغزالي حيث قدم نفسه للخِرَابِ، حين اتصل بالشيخ وخرج عن ماله وجاهه في طلب مولاه‏.‏ ولذلك قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه‏:‏ في حقه‏:‏ «إنا لنشهد له بالصدِّيقية العظمى»، وناهيك بمن شهد له الشاذلي بالصدِّيقية‏.‏

ومن أوصاف الصدّيق أنه لا يتعجب من شيء من خوارق العادة، مما تبرزه القدرة الأزلية، ولا يتعاظم شيئًا ولا يستغربه، ولذلك وصف الحق تعالى مريم بالصديقية دون سارة، حيث تعجبت، وقالت‏:‏ ‏{‏أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ‏}‏ ‏[‏هُود‏:‏ 72‏]‏؛ وأما مريم فإنما سألت عن وجه ذلك، هل يكون بنكاح أم لا، والله تعالى أعلم‏.‏

وفي الآية إشارة إلى حسن الملاطفة في الوعظ والتذكير، لا سيما لمن كان معظمًا كالوالدين، أو كبيرًا في نفسه‏.‏ فينبغي لمن يذكره أن يأخذه بملاطفة وسياسة، فيقر له المقام الذي أقامه الله تعالى فيه، ثم يُذكره بما يناسبه في ذلك المقام، ويشوقه إلى مقام أحسن منه، وأما إن أنكر له مقامه من أول مرة، فإنه يفرّ عنه ولم يستمع إلى وعظه، كما هو مجرب‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 48‏]‏

‏{‏قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ‏(‏46‏)‏ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ‏(‏47‏)‏ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ‏(‏48‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ هذا استئناف بياني، مبني على سؤال نشأ عن صدر الكلام، كأنه قيل‏:‏ فماذا قال أبوه عندما سمع هذه النصائح الواجبة القبول‏؟‏ فقال مصرًا على عناده‏:‏ أراغب‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ له أبوه في جوابه‏:‏ ‏{‏أراغبٌ أنتَ عن آلهتي‏}‏ أي‏:‏ أمعرض ومنصرف أنت عنها فوجّه الإنكار إلى نفس الرغبة، مع ضرب من التعجب، كأن الرغبة عنها مما لا يصدر عن العاقل، فضلاً عن ترغيب الغير عنها، ثم هدده فقال‏:‏ ‏{‏لئن لم تَنْتَهِ‏}‏ عن وعظك ‏{‏لأرجُمنَّكَ‏}‏ بالحجارة، أي‏:‏ والله لئن لم تنته عما أنت عليه من النهي عن عبادتها لأرجمنك بالحجر، وقيل باللسان، ‏{‏واهجرني‏}‏ أي‏:‏ واتركني ‏{‏مَلِيًّا‏}‏ أي‏:‏ زمنًا طويلاً، أو ما دام الأبد، ويسمى الليل والنهار مَلَوان، وهو عطف على محذوف، أي‏:‏ احذرني واهجرني‏.‏

‏{‏قال‏}‏ له إبراهيم عليه السلام‏:‏ ‏{‏سلامٌ عليك‏}‏ مني، لا أصيبك بمكروه، وهو توديع ومُتاركة على طريق مقابلة السيئة بالحسنة، أي‏:‏ لا أشافهك بما يؤذيك، ولكن ‏{‏سأستغفر لك ربي‏}‏ أي‏:‏ أستدعيه أن يغفر لك‏.‏ وقد وفى عليه السلام بقوله في سورة الشعراء‏:‏ ‏{‏واغفر لأبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضآلين‏}‏ ‏[‏الشُّعَرَاء‏:‏ 86‏]‏‏.‏ أو‏:‏ بأن يوفقك للتوبة ويهديك للإيمان‏.‏ والاستغفارُ بهذا المعنى للكافر قبل تبين أنه يموت على الكفر مما لا ريب في جوازه، وإنما المحظور استدعاء المغفرة مع بيان شقائه بالوحي، وأما الاستغفار له بعد موته فالعقل لا يحيله‏.‏ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب‏:‏ «لا أزال أستغفر لك ما لم أنه عنك» ثم نهاه عنه كما تقدم في التوبة‏.‏ فالنهي من طريق السمع، ولا اشتباه أن هذا الوعد من إبراهيم، وكذا قوله‏:‏ ‏{‏لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ‏}‏ ‏[‏المُمتَحنَة‏:‏ 4‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏واغفر لأبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضآلين‏}‏ ‏[‏الشُّعَرَاء‏:‏ 86‏]‏، إنما كان قبل انقطاع رجائه من إيمانه، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأ‏}‏ ‏[‏التّوبَة‏:‏ 114‏]‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنه كان بي حَفيًّا‏}‏ أي‏:‏ بليغًا في البر والألطاف، رحيمًا بي في أموري، قد عوَّدني الإجابة‏.‏ أو عالمًا بي يستجيب لي إن دعوتُه، وفي القاموس‏:‏ حَفِيَ كَرَضِيَ، حَفَاوةً‏.‏ ثم قال‏:‏ واحتفًا‏:‏ بالَغَ في إكْرامِه وأظْهَرَ السُّرُورَ والفَرَحَ به، وأكَثَر السُؤَالَ عن أحواله، فهو حافٍ وحفي‏.‏ ه‏.‏

‏{‏وأعتزلُكم‏}‏ أي‏:‏ أتباعد عنك وعن قومك، ‏{‏وما تَدْعُونَ من دونِ الله‏}‏ بالمهاجرة بديني، حيث لم تؤثر فيكم نصائحي، ‏{‏وأدعو ربي‏}‏‏:‏ أعبده وحده، أو أدعوه بطلب المغفرة لك- أي قبل النهي- أو‏:‏ أدعوه بطلب الولد، كقوله‏:‏ ‏{‏رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين‏}‏ ‏[‏الصَّافات‏:‏ 100‏]‏، ‏{‏عسى ألا أكون بدعاءِ ربي شقيًّا‏}‏ أي‏:‏ عسى ألا أشقى بعبادته، أو‏:‏ لا أخيب في طلبه، كما شقيتم أنتم في عبادة آلهتكم وخبتم‏.‏ ففيه تعريض بهم، وفي تصدير الكلام بعسى من إظهار التواضع وحسن الأدب، والتنبيه على أن الإجابة من طريق الفضل والكرم، لا من طريق الوجوب، وأن العبرة بالخاتمة والسعادة، وفي ذلك من الغيوب المختصة بالعليم الخبير ما لا يخفى‏.‏

الإشارة‏:‏ انظر كيف رفض آزرُ مَن رغب عن آلهته، وإن كان أقرب الناس إليه، فكيف بك أيها المؤمن ألاَّ ترفض من يرغب عن إلهك ويعبد معه غيره، أو يجحد نبيه ورسوله، بل الواجب عليك أن ترفض كل ما يشغلك عنه، غيرةً منك على محبوبك، وإذا نظرت بعين الحقيقة لم تجد الغيرة إلا على الحق، إذ ليس في الوجود إلا الحق، وكل ما سواه باطل على التحقيق‏.‏

فمن اعتزل كل ما سوى الله، وأفرد وجهته إلى مولاه، لم يَشْق في مَطلبه ومسْعاه، بل يطلعه الله على أسرار ذاته، وأنوار صفاته، حتى لا يرى في الوجود إلا الواحد الأحد الفرد الصمد‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 50‏]‏

‏{‏فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ‏(‏49‏)‏ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ‏(‏50‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏وكُلاًّ‏}‏‏:‏ مفعول أول لجعلنا، و‏{‏عَلِيًّا‏}‏‏:‏ حال من اللسان‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏فلما اعتزلهم‏}‏ أي‏:‏ اعتزل إبراهيمُ قومَه ‏{‏وما يعبدون من دون الله‏}‏ بأن خرج من «كوثى» بأرض العراق، مهاجرًا إلى الشام واستقر بها، ‏{‏وهبنا له إسحاق‏}‏ ولده ‏{‏ويعقوبَ‏}‏ حفيده، بعد أن وهب له إسماعيل من أمَته هاجر، التي وُهبت لزوجه سارة، ثم وهبتها له، فوُلد له منها إسماعيل، ولما حملت هاجر بإسماعيل غارت منها سارة، فخرج بها مع ولدها إسماعيل حتى أنزلهما مكة، فكان سبب عمارتها‏.‏ ثم حملت سارة بإسحاق، ثم نشأ عنه يعقوب، وإنما خصمها بالذكر لأنهما كانا معه في بلده، وإسحاق كان متصِلاً به يسعى معه في مآربه، فكانت النعمة بهما أعظم‏.‏

ولعل ترتيب هبتهما على اعتزاله ها هنا لبيان كمال عِظم النعمة التي أعطاها الله تعالى إياهُ، في مقابلة من اعتزلهم من الأهل والأقارب، فإنهما شجرة الأنبياء، لهما أولاد وأحفاد، لكل واحد منهم شأن خطير وعدد كثير‏.‏ ‏{‏وكُلاًّ جعلنا نبيًّا‏}‏ أي‏:‏ وكل واحد منهما أو منهم جعلناه نبيًا ورسولاً‏.‏

‏{‏ووهبنا لهم من رحمتنا‏}‏ هي النبوة، وذكرها بعد ذكر جعلهم أنبياء؛ للإيذان بأنها من باب الرحمة والفضل‏.‏ وقيل‏:‏ الرحمة‏:‏ المال والأولاد، وما بسط لهم من سعة الرزق، وقيل‏:‏ إنزال الكتاب، والأظهر أنها عامة لكل خير ديني ودنيوي‏.‏ ‏{‏وجعلنا لهم لسانَ صدقٍ عليًّا‏}‏‏:‏ رفيعًا في أهل الأديان، فكل أهل دين يتلونهم، ويثنُون عليهم، ويفتخرون بهم؛ استجابة لدعوته بقوله‏:‏ ‏{‏واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين‏}‏ ‏[‏الشُّعَرَاء‏:‏ 84‏]‏‏.‏

والمراد باللسان‏:‏ ما يوجد به الكلام في لسان العرب ولغتهم، وإضافته إلى الصدق، ووصفه بالعلو؛ للدلالة على أنهم أحقاء لما يثنون عليهم، وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار، وتبدل الدول، وتحول الملل والنحل‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ كل من اعتزل عن الخلق وانفرد بالملك الحق، طلبًا في الوصول إلى مشاهدة الحق، لا بد أن تفيض عليه المواهب القدسية والأسرار الوهبية والعلوم اللدنية، وهي نتائج فكرة القلوب الصافية، وفي الحكم‏:‏ «ما نفع القلب شيءٌ مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة»‏.‏ قال الجنيد رضي الله عنه‏:‏ أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد‏.‏ وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏ثمار العزلة‏:‏ الظفر بمواهب المنة، وهي أربعة‏:‏ كشف الغِطاء، وتنزل الرحمة، وتحقق المحبة، ولسان الصدق في الكلمة، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له‏}‏ الآية‏)‏‏.‏ وقال بعض الحكماء‏:‏ من خالط الناس داراهم، ومن داراهم راءاهم، ومن راءاهم وقع فيما وقعوا، فهلك كما هلكوا‏.‏

وقال بعض الصوفية‏:‏ قلت لبعض الأبدال المنقطعين إلى الله‏:‏ كيف الطريق إلى التحقيق‏؟‏ قال‏:‏ لا تنظر إلى الخلق، فإن النظر إليهم ظلمة، قلت‏:‏ لا بد لي، قال‏:‏ لا تسمع كلامهم، فإن كلامهم قسوة، قلت‏:‏ لا بد لي، قال‏:‏ لا تعاملهم، فإن معاملتهم خسران ووحشة، قلت‏:‏ أنا بين أظهرهم، لا بد لي من معاملتهم، قال‏:‏ لا تسكن إليهم، فإن السكون إليهم هلكة، قلت‏:‏ هذا لعله يكون، قال‏:‏ يا هذا أتنظر إلى اللاعبين، وتسمع كلام الجاهلين، وتعامل البطالين، وتسكن إلى الهلكى، وتريد أن تجد حلاوة الطاعة وقلبك مع الله‏؟‏‏!‏ هيهات‏.‏

‏.‏‏.‏ هذا لا يكون أبدًا، ثم غاب عني‏.‏

وقال القشيري رضي الله عنه‏:‏ فأرباب المجاهدات، إذا أرادوا صون قلوبهم عن الخواطر الردية لم ينظروا إلى المستحسنات- أي‏:‏ من الدنيا-‏.‏ قال‏:‏ وهذا أصل كبير لهم في المجاهدات في أحوال الرياضة‏.‏ ه‏.‏ وقال في «القوت»‏:‏ ولا يكون المريد صادقًا حتى يجد في الخلوة من الحلاوة والنشاط والقوة ما لا يجده في العلانية، وحتى يكون أُنسه في الوحدة، وروحه في الخلوة، وأحسن أعماله في السر‏.‏ ه‏.‏

قلت‏:‏ العزلة عن الخلق والفرار منهم شرط في بداية المريد، فإذا تمكن من الشهود، وأَنس قلبه بالملك الودود، واتصل بحلاوة المعاني، ينبغي له أن يختلط بالخلق ويربي فكرته؛ لأنهم حينئذ يزيدون في معرفته ويتسع بهم؛ لأنه يراهم حينئذ أنوارًا من تجليات الحق، ونوارًا يرعى فيهم، فيجتني حلاوة الشهود، وفي ذلك يقول شيخ شيوخنا المجذوب‏:‏

الخَلْقُ نَوارٌ وَأَنا رَعَيْتُ فِيهِمُ *** هُمُ الحجَابُ الأكْبَرُ والمَدْخَلُ فيهِمُ

وفي مقطعات الششتري‏:‏

عين الزحام *** هم الوصول لحيِّنا

وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 53‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ‏(‏51‏)‏ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ‏(‏52‏)‏ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ‏(‏53‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏نَجِيًّا‏}‏‏:‏ حال من أحد الضميرين في ‏{‏ناديناه‏}‏ أو ‏{‏قربناه‏}‏، وهو أحسن‏.‏ و‏{‏هارون‏}‏‏:‏ عطف بيان‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏واذكر في الكتاب موسى‏}‏، قدَّم ذكره على ذكر إسماعيل لئلا ينفصل عن ذكر يعقوب؛ لأنه من نسله، ‏{‏إِنه كان مُخْلِصًا‏}‏‏:‏ موحدًا، أخلص عبادته من الشرك والرياء، وأسلم وجهه لله تعالى، وأخلص نفسه عما سواه‏.‏ وقرئ بالفتح، على أن الله تعالى أخلصه من الدنس‏.‏ قال القشيري أي‏:‏ خلصًا لله، لم يكن لغيره بوجهٍ‏.‏ ثم قال‏:‏ ولم يُغْضِ في اللهِ على شيءٍ‏.‏ ه‏.‏

‏{‏وكان رسولاً نبيًّا‏}‏ أرسله الله تعالى إلى الخلق فأنبأهم عنه، ولذلك قدَّم رسولاً مع كونه أخص وأعلى، ‏{‏وناديناه من جانب الطور الأيمن‏}‏، الطور‏:‏ جبل بين مصر ومدين، أي‏:‏ ناديناه من ناحيته اليمنى، وهي التي تلي يمين موسى عليه السلام، فكانت الشجرة في جانب الجبل عن يمين موسى، أو من أيمن، أي‏:‏ من جانبه الميمون، ومعنى ندائه منه‏:‏ أنه سمع الكلام من تلك الناحية، ‏{‏وقربناه نجيًّا‏}‏ أي‏:‏ مناجيًا لنا نُكلمه بلا واسطة، فالتقريب‏:‏ تقريبُ تكرمة وتشريف، مَثَّلَ حاله عليه السلام بحال من قرّبه الملك لمناجاته واصطفاه لمصاحبته‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏نجيًا‏}‏ من النجو، وهو العلو والارتفاع، أي‏:‏ رفعناه من سماء إلى سماء، حتى سمع صريف القلم يكتب له في الألواح‏.‏

‏{‏ووهبنا له من رحمتنا‏}‏ أي‏:‏ من أجل رحمتنا ورأفتنا به، أو من بعض رحمتنا ‏{‏أخاه هارون‏}‏، أي‏:‏ وهبنا له مؤازرة أخيه ومعاضدته، إجابةً لدعوته‏:‏ ‏{‏واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 29، 30‏]‏ لا نفسه؛ لأنه كان أكبر منه، وُجد قبله، حَال كونه ‏{‏نبيًّا‏}‏‏:‏ رسولاً مُشْركًا معه في الرسالة‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ كما وصف الحق تعالى خليله بالصديقية وصف كليمه بالإخلاص، وكلاهما شرط في حصول سر الخصوصية، سواء كانت خصوصية النبوة أو الولاية، فمن لا تصديق عنده لا سير له، ومن لا إخلاص له لا وصول له‏.‏ وحقيقة الإخلاص‏:‏ إخراج الخلق من معاملة الحق، وهي ثلاث طبقات؛ سفلى، ووسطى، وعليا‏.‏

فالسفلى‏:‏ أن يفعل العبادة لله تعالى، طالبًا لعوض دنيوي، كسعة الأرزاق، وحفظ الأموال والبدن، فهذا إخلاص العوام، وإنما كان إخلاصًا لأنهم لم يلاحظوا مخلوقًا في عملهم‏.‏

والوسطى‏:‏ أن يعبد الله مخلصًا، طالبًا لعوض أخروي، كالحور والقصور‏.‏

والعليا‏:‏ أن يفعل العبادة قيامًا برسم العبودية، وأدبًا مع عظمة الربوبية، غير ملتفت لجنة ولا نار، ولا دنيا ولا آخرة، مع تعظيم نعيم الجنان، لأنه محل اتصال الرؤية؛ كما قال ابن الفارض رضي الله عنه‏:‏

ليس شوقي من الجنان نعيمًا *** غير أني أُريدها لأراكَ

فإذا تحقق للعبد مقام الإخلاص الكامل، صار مقربًا نجيًا في محل المشاهدة والمكالمة‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 55‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ‏(‏54‏)‏ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ‏(‏55‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏واذكر في الكتاب إِسماعيل‏}‏، فصل ذكره عن أبيه وأخيه؛ لإبراز كمال الاعتناء بأمره، لإيراده مستقلاً بترجمته، ‏{‏إِنه كان صادق الوعد‏}‏، هذا تعليل لموجب الأمر بذكره‏.‏ وإيراده عليه السلام بهذا الوصف؛ لكمال شهوته به‏.‏

رُوِيَ أنه واعد رجلاً أن يلقاه في موضع، فجاء إسماعيل، وانتظر الرجلَ يومه وليلته- وقيل‏:‏ ثلاثة أيام- فلما كان في اليوم الآخر، جاء الرجل، فقال له إسماعيل‏:‏ ما زلتُ هنا من أمس‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ انتظره سنة، وهو بعيد‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وقد فعل مثل هذا نبيُنا صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، ذكره النقاش وأخرجه الترمذي وغيره، وذلك في مبايعة وتجارة ه‏.‏ وقال القشيري‏:‏ وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه، فصبر على ذلك، إلى أن ظهر الفداء، وصِدق الوعد دلالة حفظ العهد‏.‏ ه‏.‏

وقال ابن عطاء‏:‏ وعد لأبيه من نفسه الصبر، فوفى به، في قوله‏:‏ ‏{‏ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين‏}‏ ‏[‏الصَّافات‏:‏ 102‏]‏‏.‏ ه‏.‏ وهذا مبني على أنه الذبيح، وسيأتي تحقيق المسألة إن شاء الله‏.‏

‏{‏وكان رسولاً نبيًّا‏}‏ أي‏:‏ رسولاً لجرْهُم ومن والاهم، مخبرًا لهم بغيب الوحي، وكان أولاده على شريعته، حتى غيرها عَمرو بن لحي الخزاعي، فأدخل الأصنام مكة‏.‏ فما زالت تُعبَد حتى محاها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بشريعته المطهرة‏.‏

‏{‏وكان‏}‏ إسماعيل ‏{‏يأمر أهله بالصلاة والزكاة‏}‏، قدَّم الأهل اشتغالاً بالأهم، وهو أن يُقبل بالتكميل على نفسه، ومن هو أقرب الناس إليه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين‏}‏ ‏[‏الشُّعَرَاء‏:‏ 214‏]‏، ‏{‏وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 132‏]‏، ‏{‏قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً‏}‏ ‏[‏التّحْريم‏:‏ 6‏]‏، وقصد إلى تكميل الكل بتكميلهم؛ لأنهم قدوة يُؤتَسى بهم‏.‏ وقيل‏:‏ أهله‏:‏ أمته؛ لأن الأنبياء- عليهم السلام- آباء الأمم‏.‏ ‏{‏وكان عند ربه مَرْضِيًّا‏}‏؛ لاتصافه بالنعوت الجليلة التي من جملتها ما ذكر من الخصال الحميدة‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ قد وصف الحق- جل جلاله- نبيه إسماعيل بثلاث خصال، بها كان عند ربه مرضيًا، فمن اتصف بها كان مرضيًا مقربًا‏:‏ الوفاء بالوعد، والصدق في الحديث؛ لأنه مستلزم له، وأمر الناس بالخير‏.‏ أما الوفاء بالعهد فهو من شيم الأبرار، قد مدح الله تعالى أهله، ورغَّب فيه وأمر به، قال تعالى‏:‏ ‏{‏والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ‏}‏ ‏[‏البَقَرَة‏:‏ 177‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدتُّمْ‏}‏ ‏[‏النّحل‏:‏ 91‏]‏، فإخلاف الوعد من علامة النفاق، قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «آية المنافق ثلاث‏:‏ إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» وخلف الوعد إنما يضر إذا كان نيته ذلك عند عقده، أو فرط فيه، وأما إن كان نيته الوفاء، ثم غلبته المقادير، فلا يضر، لا سيما في حق أهل الفناء، فإنهم لا حكم لهم على أنفسهم في عقد ولا حل، بل هم مفعول بهم، زمامهم بيد غيرهم، كل ساعة ينظرون ما يفعل الله بهم، فمثل هؤلاء لا ميزان عليهم في عقد ولا حل‏.‏ فمثلهم مع الحق كمثل الأطفال المحجر عليهم في التصرف، ولذلك قالوا‏:‏ ‏(‏الصوفية أطفال في تربية الحق تعالى‏)‏‏.‏ فإياك أن تطعن على أولياء الله إذا رأيت منهم شيئًا من ذلك، والتمس أحسن المخارج، وهو ما ذكرته لك، فإنه عن تجربة وذوق‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏